الفصل الخامس والخمسون | العيون لا تكذب!

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إفصاح: "للهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".

إفصاح آخر "اللا معقول اليوم قد يصبح مجرد نظرية علمية بسيطة يدرسها الأطفال فى المستقبل". نبيل فاروق

 مساحة لذكر الله

****************************************

الفصل الخامس والخمسون



- قبل يومين:

كان النسيم يلاطف بتلات الورد على فروع الشجرة كما كان يلاطف خصلاته الشقراء بنعومة…

كانت تلك أحد الأوقات القليلة التي يشعر بها بالسلام، فمنذ وقتٍ طويلٍ كان كل ما يدور في حياته هو محاولة النجاة ليس إلا، القتال حتى لا يفقد حياته، ثم الراحة حتى لا يفقد حياته، ثم المسير حتى لا يفقد حياته، لا يتذكر متى كان بإمكانه الجلوس في هدوءٍ وتأمل السماء الزرقاء دون خوف.

كان هذا المكان غريبًا، ولكنه مسالم بشكلٍ لم يشهده من قبل، لسببٍ ما كان يُذكره بالمنزل، بآديت وكريستوفر، والداه اللذان غمراه حبًا حتى آخر رمق. لا يعلم أي نوع من الورد هو هذا، ولكنه كان جميلًا ومحببًا جدا لنفسه كوالديه.

"أيها العجوز!"

ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على ثغرة دون تحكمٍ منه، لا يعلم متى وكيف، لكن ذلك الكائن الصغير الذي لا يكبر أصبح كفاصلٍ بين فتراته الصعبة في المنفى.

لقد كان على يقين أنها من صنع عقله، لا معنى لوجود طفلةٍ كهذه في المنفى ولا تفسير لظهورها واختفائها.

"انظر إليك، أنت تكبر كثيرًا في العمر وبسرعة، أنا أشفق عليك، ستموت وحيدًا" نظر نحوها بطرف عينه دون أي يكلف نفسه عناء الالتفات بالكامل لها.

"ستأتين وتزعجينني وأنا ألفظ آخر أنفاسي" تمتم لتنفجر ضحكًا وبدا أن تلك الضحكات الطفولية والحيوية التي ملأت المكان ملأت روحه لوهلةٍ بالسكينة.

"لا، لن أكون متفرغةً لك، تعلم، حياتي كاشارلوك صعبة، لدي الكثير من القضايا لحلها، يعتمد علي الآخرون" التفتت حوله تحاول بعثرة بتلات الساكورا بقدمها، ولكنها عبرت من خلالها فحسب.

حملق بها مرتديةً منامة غريبة وسخيفة برأيه، ولكنها ناسبت وجهها الطفولي تمامًا وعينها التي تشع بدهاء.

"شارلوك"

نظرت نحوه مستغربة؛ فلا يناديها باسمها كثيرًا، ظل هو مرتخيًا يستند على جذع شجرة الساكورا الضخمة لتتحرك نحوه وتنحي قبالته تحدق بوجهه الشاب. "من أنتِ بالضبط؟ كيف لعقلي اختلاق شيءٍ بهذه الواقعية؟"

حدقت عينه الزرقاء بخاصتها البنية الواسعة، كانت تلك الطفلة حبل النجاة الذي حافظ على مشاعره الآدمية كما هي، كيف يمكن أن تكون جنونًا من عقله.

ابتسمت نحوه وقالت: "لأنني حقيقةٌ أكثر منك، أيها العجوز، شارلوك ليست وهمًا ومع ذلك..." عقدت حاجبيها بانزعاجٍ وامتدت يدها نحو وجنته قائلة: "لن أتمكن من لمسك يومًا".

في اللحظة التي لمست وجنته، لم تتمكن حقًا من ذلك، لكن بدا وكأن شيئًا ما دفع إدراكه في مكانه!

عقد أتريوس حاجبيه وهو ينظر لتعبيرها المنزعج قبل أن تصيح: "أريد سحب شعرك بقوةٍ لمرة واحدة لكل مرةٍ غظتني فيها!".

ظل يحدق بها قبل أن ينظر حوله.

لوهلةٍ كاد قلبه يتوقف ظنًا منه أنه عاد…

لقد عاد للمنفى!

عينه اتجهت للطفلة التي ألقت بجسدها فوق الأرضية تنظر للسماء بشغفٍ كبير، ورغم شعوره بالفزع لوهلةٍ فقد شعر بالحنين! الحنين لوجود تلك الطفلة التي كانت أسئلتها تثير الصداع ورغبته في قتل نفسه…

لمَ هدأ فجأةً عندما لاحظ وجودها حوله؟

من المفترض أنه خرج من هنا؟ من المفترض أن تلك الأيام ولت، ولكن... ماذا يحدث؟

"أتعلم، أيها العجوز؟ إن أخذتك حيث موطني سأقنع والدي لتبقى في منزلنا وسأجعلك تأخذ غرفة لوش؛ فهو مزعجٌ وكاذبٌ كبير، سأجعلك تتذوق الكاكاو..." نهضت جالسةً وقد فتحت ذراعيها بحماسٍ صائحة: "إنه أفضل مشروبٍ في العالم!".

تجمد في مكانه ما أن نظر لعينها…

قفز قلبه وذاك الشعور يراوده، لا يتذكر لما بالظبط، لكنه يعلم أن تلك العين نظرت له كثيرًا ورأت من خلال روحه، لثوانٍ شعر برغبةٍ كبيرة في الخروج من هنا والركض لأحدهم!

أراد استشعار وجوده والنظر لعينه، ولكنه كان مشوشًا…

من بالضبط؟

ومن شارلوك؟

نظرت نحوه الطفلة باستغرابٍ كبير وقد مال رأسها متسائلة:

"أتريوس؟"

انتفض جسده بقوةٍ وفتح عينيه لاهثًا وكاد يقسم أن ذاك كان صوت جلنار!

قابل نظرته الهلعة سقف الغرفة المظلمة، وما لبث حتى التفت حوله يبحث عنها بعينه، ولكن لم يقابله سوى ظلام غرفته الدامس.

نهض جالسًا يتنفس بصعوبةٍ وقد مسح وجهه ببعض الضيق، لا يتذكر متى آخر مرةٍ راوده حلمٌ عن المنفى! ظن أن تلك الكوابيس تخلت عن محاولة التلصص على نومه منذ فترة طويلة…

ناهيك عن حلمٍ يخصها...

شارلوك.

تنهيدةٌ قوية تركت صدره قبل أن يسند ظهره ضد سريره وقد رفع خصلات شعره التي تبعثرت حول وجهه وأغمض عينيه لثوانٍ.

أعينها البنية اندفعت مجددًا لرأسه وكاد لوهلة يصيبه الجنون؛ فلم يعرف أي عينٍ يفكر بها، أتلك عين شارلوك...

أم تلك بندقية العينين خاصته؟

فتح عينه يحدق لظلام ويبادله الآخر بنظرات فارغة، لعنته وحياته كلها تتمحور حول هذا الظلام، رفع كف يده ينظر نحوها وقد التف الدخان الأسود حولها بالكامل مظهرًا علامته على منتصف صدره.

تلك اللعنة التي لازمته ودمرت حياته، أكانت اللعنة هي ما دمرته؟ أم أن النظام كان ملعونًا بالكامل؟

قبض يده ليختفي الدخان بهدوءٍ وتبدأ علامته التلاشي، إلهي…

 كم من الصعب إخفاء الأمر وكم هو أصعب الإفصاح عنه.

هكذا فكر لوهلة، في كل مرةٍ تنظر نحوه بتلك النظرة الهادئة والابتسامة الساحرة بكل ثقةٍ يتساءل: كيف ستتبدل تلك التعبير وكيف ستتحول نظرة الحب تلك إلى كراهيةٍ في ثوانٍ؟

شيء صغير داخله يريد أن يصدق أن رد فعلها سيكون مختلفًا، ربما ستفاجئه مجددًا، ولكن... لا، إنه يعرف بالفعل كيف تتبدل تلك التعابير وكيف تتغير نبرة الصوت وحتى حالة الحب تلك كلها…

وكأنها لم تكن يومًا!

ربما لن تفر هاربة؛ فتلك جلنار! لكنها حتمًا لن تتردد في محاولة الإطاحة به كرد فعلٍ تلقائي، في الواقع لن يبالي إن حاولت قتله أو الهجوم عليه…

لكنه لن يكون قادرًا على مجابهة نظراتها التي قد تتهمه بالخيانة لدقيقة، قد يكون أي شيءٍ إلا خائن، وإن وجهت له تلك التهمة حتى وإن كان بمجرد نظرةٍ منها لقتله ذلك فورًا.

زفر نفسًا يحاول إدراك متى تمكنت من العبث بأفكاره حتى أصبحت الشعلة التي تحرق قلبه وتشعل حياته مضيئةً ما حوله.

....

كانت الضرورة الملحة الأولى على جلنار هي تنظيم حدث تدريب الفرسان في الأكاديمية.

بالنسبة للفرسان لم يكن بالحدث الكبير، ولكن بالنسبة للأكاديمية كان الحدث الذي ما أن تسرب بين الطلبة أحدث زلزلةً في أجواء المكان الراقية.

كان من الصعب منع التكتم على الخبر، خاصةً مع بدء تهيئة أكبر ساحة قتالٍ في الأكاديمية والتي تستخدم فقط في النزالات الرسمية بين طلبة الشرف.

حتى أن غرف المبيت الخاصة تم تجهيزها لاستضافة اثني عشر شخصًا وهذا ما قطع الشك باليقين.

في ذات الفترة كانت جلنار تتساءل كل مرةٍ تدخل لتدريبٍ فردي مع يوجين داخل الكتاب الذي حصلت عليه: هل عليها إخبار الفرسان عنه؟ سيكون من الصعب شرح كيف توصلت له في المقام الأول، ولكنها تدرك جيدًا منافعه والتي هم في حاجةٍ لها.

استخدامه بشكلٍ سري داخل الأكاديمية سيكون مناسبًا، لكن هل سيتمكن الجميع من استخدامه؟

لم يكن الكتاب الشيء الوحيد الذي يشغل تفكيرها، فماضي أحدهم لم يفارق بالها مرة، وأخذت تفكر كلما انفردت بذاتها بما يواجه أتريوس بالضبط، أي نوعٍ من الصعوبات تشكل لعنة الظلام تلك عليه؟

لم يكن عليه كبح قوته في المنفى، ولكن هنا الأمر أخطر، فذلةٌ واحدة قد تكلفه الكثير. الكثير من التفكير أثر على تصرفاتها أمامه هو وواندر مما أثار الشك ناحيتها، ولكن إن كنا سنتحدث عن إثارة الشك فلم يكن أحدٌ يشك بها أكثر من يوجين.

مراقبته لها كانت كفيلة بجعله يتأكد من إخفائها أمرًا ما ولم يكن من الصعب تخمين أنه يخص أتريوس؛ فيبدو أن الأسرار الوحيدة التي تدخل بينهما هي أسرار رجلٍ أشقر الشعر ضخم الجثة يمقته يوجين لسببٍ لا يتكفل حتى عناء التفكير به.

لذلك لم يترك فرصةً دون محاول إزعاجها أو دفعها للحافة؛ فقد كان مؤمنًا بأنها ستنفجر في وجهه مخرجةً كل ما تخفيه.

لم يكن يعلم أنها تفكر كل ليلةٍ في كيفية إلقاء هذه القنبلة عليه دون أن تسبب المزيد من الضرر، فيوجين لا يطيق أتريوس منذ البداية.

هل بإمكان ماضي أتريوس دفع يوجين للتعاطف معه؟ لم تتمكن جلنار من التخمين إطلاقًا…

ولكنها كانت تكتفي بتوجيه تركيزها لتدريباتها ومحاولة تنسيق كل شيءٍ مع الأميرة من خلال مراسلة مساعدها حتى يتم التدريب على أكمل وجه.

لم تنسَ أمر زوندي، ولكنها لم توفَّق فيه حتى الآن؛ فيبدو بالفعل أن (آرنالدو هيلبارت) شخصٌ غامض ومحظور -جدًا- من العودة لأرض الإلترانيوس، فحتى رغبتها كابنة التوبازيوس لم تشفع كثيرًا له، ولكن حتى مع موافقة الأميرة يبدو أن المدرب بعينه لا يطيق العودة وترك أرض المتنكرين.

تنهدت جلنار وأغلقت الرسالة المسجلة سابقًا والتي تفيد بأن كل محاولات مساعد الأميرة في التواصل معه باءت بالفشل، كما توقع زوندي؛ فهو شخصيًا لم يتمكن من التواصل معه بعد مغادرة المتنكرين وكأن الرجل قطع نفسه عن العالم الخارجي.

"لمَ العبوس؟" التفتت ليوجين وقبل أن تجيب سبقها هو في محاولةٍ لاستفزازها: "ماذا؟ بعض الأسرار تؤرق بالك؟". عقدت ذراعيها فوق صدرها ونظرت نحوه بملل: "ألم تمل؟". ابتسم وحرك رأسه نافيًا واقترب ليقف قبالها قائلًا: "لا يمل المحارب قبل أن يصل للتفاحة". عقدت حاجبها وتمتمت: "من أين تعلمت أمثالك بحق الإله؟".

"عادتك هذه مخيفةٌ بحق"

أجفلت بشدةٍ والتفتت نحو باب غرفتها التي تركته مفتوحًا مسبقًا بعد عودتها من تدريبها في الغابة.

"ألا يمكنك إصدار صوتٍ حتى قبل أن تصيبني بأزمةٍ قلبية؟" صاحت تحاول التقاط أنفاسها كمن أُمسك بالجرم. "إنها عادةٌ اكتسبتها منذ زمن، ألا تعجبك؟" في الواقع لم تكن تمانع، ولكنها تعرف بالضبط كيف اكتسب هذه العادة وهذا ما دفعها لكتم أنفاسها لوهلة.

لطالما شعرت جلنار في هذين اليومين بأن أتريوس سيتمكن بطريقةٍ سحرية من قراءة أفكارها ومعرفة كل شيءٍ تعرفه؛ لذلك كلما اقترب منها بدأ عقلها في غناء: "إن كنت سعيدًا وتعرف ذلك فصفق بيديك!" وهذا ساعدها في تشتيت ذهنها، ولكنه أيضًا يتركها تنظر نحو أتريوس كالبلهاء.

"وإن كانت لا تعجبني؟" حاولت استفزازه حتى تتمكن من التصرف بطبيعية، ولكن اقترابه منها وميلان جسده حتى يقترب من وجهها هامسًا: "يمكنني دفعك للإعجاب بها" دفعها كليًا للحافة.

حدقت بعينيه بصمتٍ وبدأت مجددًا ترى الطفل الصغير ذا الفأسين يكافح لأجل حياته، ولكن شيئًا فشيئًا بدأت تشعر بذاك الحنين الذي كان يصيب شارلوك حتى تقابل الفتى العجوز في أحلامها.

"لا يمكنك دفعي لشيءٍ لا أريد" همست بابتسامةٍ مستمتعة وكأنها وجدت شعورًا كانت خائفةً من فقدانه، ذلك الحماس بينهما.

"أوه! أهذا رهانٌ بيننا؟" تحب كيف تثير حماسه وابتسامته ولا تعلم أنه لا يهتم سوى برؤيتها منتعشةً بدوره.

اليومان الأخيران لم يكونا الأفضل بالنسبة له، تصرفاتها الغريبة وتهربها منه كانا مصدر إزعاج، وقد كرِه كثيرًا كونهما مصدر إزعاج.

لا يعلم أكان الفضول هو ما يزعجه أم أنه لا يهتم بما يدور في رأسها، فقط جُّل ما يريده هو أن تتوقف عن تجنب النظر نحوه؛ لذلك رؤيتها مفعمةً بالطاقة جعلته مستعدًا لمجارتها بكل سرور.

"اعتبره ما تريد، سيد فلورمان، فقد قلت ما لدي" التفتت وقد رفعت كتفها بعجرفةٍ مقصودة ليدحرج عينيه ويلتقط معصمها يوقفها عن الابتعاد ويسحبها بخفةٍ لتقف أمامه "قفي أمامي كالأشخاص الطبيعيين وتوقفي عن محاولاتك الطفولية لإزعاجي".

اتسعت ابتسامتها التي كانت طفوليةً بالفعل وقالت: "إذًا نجحت محاولاتي؟". حدق نحوها وأراد الإجابة، ولكنه ظل يحملق بها…

عينيها، أنفها، جبهتها، شفتيها…

كل شيءٍ يذكره بشيءٍ آخر، شخصٍ آخر.

قفز لرأسه حلم ليلة الأمس وبدأ يتساءل إن كان قد مسه الجنون بالفعل.

"ما خطب مرض التحديق عندكما؟"

كانت جلنار نسيت لوهلةٍ أن يوجين ما زال حولهما وأرادت في هذه الثانية شتم حسه المعدوم بالمواقف، ولأن الأحمق تمكن من انتزاعها بعيدًا عن حالة الخدر -التي تلازمها كلما حدق بها أتريوس- نظفت حلقها وهربت بعينها بعيدًا ليعود كلاهما لأرض الواقع.

"توقفي بحق الإله"

ارتفع حاجبها كما فعل خاصة يوجين عندما بصق بغيظ: "توقفي عن النظر بعيدًا كلما قابلتني". نظرت نحوه بتفاجؤ وأرادت أن تصرخ متسائلةً عن إن كانت واضحة لهذا الحد، ولكن بدا أن يوجين قرأ سؤالها فأجاب عوضًا عن أتريوس قائلًا: "جلنار، الأعمى بإمكانه ملاحظة ذلك..." توقف لثانيةٍ ونظر لأتريوس بتململ مردفًا: "لكن لا أعلم كيف لثورٍ الملاحظة".

"أنا لا... أنا لا أفعل!" لم تكن هي شخصيًا مقتنعةً بالإجابة، ولكن مهما كانت الأدلة قوية، فقط قم بالإنكار!

حرك رأسه بيأسٍ قبل أن ينقر جبهتها بلطف قائلًا: "لا أعلم ما يدور هنا، ولكن... لا تدعيه يؤثر على كيفية تصرفك حولي، لا أريد التورط مع ردود أفعالك أكثر من هذا".

نظرت نحوه بعدم تصديق قبل أن تسحب معصمها من كف يده وتنكز صدره بغيظٍ قائلة: "لم أطلب منك ذلك، أيها الوقح! لا تتورط معي كليًا، أليس هذا أكثر راحة؟".

ابتسم مستمتعًا قبل أن ينحني مقتربًا من وجهها لتبتعد هي بارتباك "صدقيني ليس اختياري، ولكني أحبه". شعرت بالدماء تتدفق لوجنتيها وأنفاسها تصبح أقل.

"أوه! أعتذر يبدو أنني خفي… تبًا، أنا بالفعل خفي" بدأ يوجين بالسخرية، ولكنه توقف متمتمًا عندما أدرك أنه لا يسخر إلا من نفسه، وما زاد حنقه أن جلنار لا تبدو حقًا كمن يراه أو يسمعه في هذه اللحظة.

"أعتقد أن علينا الذهاب والعودة لاحقًا!"

أجفلت جلنار دافعةً أتريوس بعيدًا عندما جذب انتباههما صوت الهمس المسموع -جدًا- عند باب الغرفة.

 "الشكر للإله!" صاح يوجين رافعًا كلتا يديه للسماء قبل أن يتجه حيث وقف هارليك مرتبكًا بجواره ثونار التي مسحت على وجهها بيأسٍ صارخًا: "أنقذتنا يا صاح!". ولسبب لم يفهمه هارليك شعر برجفةٍ سيئة تمر بجسده.

"لقـ… لقد كنا... نتحدث، يمكنكما الدخول" حاولت الحفاظ على نبرتها ثابتةً قدر الإمكان، ولكن أتريوس الذي لم يزح عينه عنها دمر محاولاتها تمامًا.

"لا بأس، لا بأس، أكملا ما تفعلان، سنذهب بصمت" قالت ثونار وهي تنكز هارليك الذي جذب انتباههما، ولكن الأخير كان ينظر لظهر أتريوس غير متأكدٍ من إن كانت مقاطعة هذا الرجل هي الصواب. "لا، أرجوكما، لا تذهبا!" صاح يوجين واقفًا أمام الباب وكأن بإمكانه منعهما من الخروج.

"لا بأس، جئت لقول شيءٍ والذهاب" قال أتريوس وما زال يحدق بارتباك جلنار مستمتعًا وعلى ثغره ابتسامةٌ صغيرة.

التفت متوجهًا نحو الباب قائلًا: "لا تنتظري مجيئي لتلك الأكاديمية، لست في حاجةٍ لمدرب".

اتسعت عينا جلنار صائحة: "مـ... ماذا؟ أتمازحني؟".

قفز يوجين صارخًا بحماس: "الآن يمكنني الشعور بالراحة". ولكونه منشغلًا في احتفاله لم يتدارك جسد أتريوس الذي مر من خلاله تاركًا له فرصًا منعدمةً في الابتعاد عنه.

شعر يوجين بحرارةٍ سيئة تسير في كامل جسده ليحتضن ذراعيه وتصطك أسنانه ببعضها، توقف أتريوس لثوانٍ عاقدًا حاجبيه والتفت ينظر حيث مدخل الغرفة.

يعرف شعور الخطر عندما يضرب جسده وهذا مختلف، لوهلةٍ شعر وكأن شيئًا قد لامس طاقته… لا، بل لامس لعنته!

حك رقبته باستغرابٍ والتفت مكملًا طريقه.

لم تنتبه جلنار؛ فقد انشغلت بكلٍ من هارليك وثونار اللذين اندفعا نحوها، ويوجين بدوره كان منشغلًا في محاولة تهدئة تلك الحرارة التي مست جسده وقد زفر بانزعاج.

لم يكن الأمر غريبًا؛ فقد شعر بها سابقًا عندما مرت ثونار من خلاله، ولكن تأثير أتريوس كان أسوأ.

"اهدئي، تلك عادته كل مرة" حاول هارليك تهدئة جلنار التي تماسكت لئلا تسحب أتريوس وتصفعه مرتين ليعود لرشده.

"إنه يُفقد المرء صوابه" تمتمت بانزعاجٍ كبير لتربت ثونار على كتفها مواسية: "كوني شوكةً في حلقة يا فتاة، أريه من تكونين!". نظرت نحوها بطرف عينها مجيبة: "أنتِ تبحثين عن الدراما ليس إلا". رفعت ثونار يديها باستسلامٍ قائلة: "أوبس! قبضتِ علي متلبسة".

دحرجت عينها، ولكنها لم تتمكن من منع ابتسامتها الصغيرة؛ فقد بدا وكأن الكثير من الوقت قد مضى منذ آخر مرةٍ تمكنت من التسكع مع تلك الشخصية الممتعة من ثونار.

"إذًا... لمَ أنا مدينةٌ بشرف هذه الزيارة؟" سألت ممازحةً بينما تنزع سترتها التي اتسخت ببعض الطين نتيجة تدريبها وتلقي بها بجانب الخزانة، تبادل كلٌ من ثونار وهارليك النظرات فيما بينهما بصمتٍ يقرران من منهما سيبدأ الحديث وكيف له أن يبدأ بالضبط.

صمتهما أثار استغراب كلٌ من يوجين وجلنار التي تركت ما يشغلها والتفتت تنظر نحوهما تنتظر أن يتحدث أحدهم. "ماذا؟ أسنحدق ببعضنا طيلة الوقت؟" سألت وهي تنقل عينيها بينهما.

"نريد أن نعرف ما تفعلين"

"ما المصيبة التي تخفينها؟"

تحدث كلاهما في وقتٍ واحد لتتجه عينها بسرعةٍ ناحية يوجين الذي راقب الوضع يحاول استنتاج ما يحدث. "رأيت ذلك!" صاحت ثونار مشيرةً ناحية جلنار عندما لاحظت نظرتها نحو يوجين لتدحرج جلنار بدورها عينها. "عمَ تتحدثين؟" تظاهرت بالغباء لتتجه عين ثونار بسرعةٍ ناحية هارليك وتعود لجلنار محاولةً الإشارة نحوه دون أن ينتبه وتحرك شفتيها بلا صوتٍ قائلة: "إنه هنا" قاصدة يوجين.

"هل السيد يوجين هنا أيضًا؟" تساءل هارليك لتتنهد جلنار وتومئ باستسلام.

اتسعت عينا ثونار ونظرت لهارليك ببلاهة. "السيد يوجين؟" كررت بعدم استيعابٍ قبل أن توجه لجلنار نظرات الاستنكار صائحة: "أقلتِ لهذا الرأس الثرثار عن شبحك؟". أسندت جلنار ظهرها ضد الخزانة وقالت: "هذا الرأس الثرثار تمكن من الاحتفاظ بالسر أكثر مما ستفعلين".

"أيعرف قبلي؟" صاحت مجددًا تشعر بالغيظ ليضع هارليك ابتسامةً مستمتعة ويربت على ذراع ثونار قائلًا: "تصالحي مع الأمر، أعرف عن أمر السيد يوجين منذ أن عرفت بأمر كارولوس، أنا فقط رفيق أسرار جلنار".

حركت جلنار رأسها بيأسٍ عندما ركضت ثونار خلف هارليك وهي تتوعد بمسخه بينما يركض الأخير مختبئًا خلف جلنار. "أشعر أنهما نسيا تمامًا لما شرفاكِ هنا في المقام الأول" قال يوجين وهو يراقبهما كمن يراقب الحيوانات داخل السيرك.

"توقفا!" أبعدت جلنار ثونار عن هارليك الذي ما زلت ترمقه بغيظٍ قبل أن تنتقل بنظراتها لجلنار تتهمها بالخيانة؟ "أظن أن هناك شيء أهم دفعكما للقدوم، أنسيتما؟"

صمت الاثنان يدرك كل واحدٍ الأمر قبل أن يتبادلا النظرات وقد هدأت الأجواء بينهما. "أريد أن أعرف ما تقصدان بأمرٍ أخفيه" كتفت جلنار ذراعيها، وفي الواقع كل ما فكرت به أنهما لاحظا تصرفاتها الغريبة بسبب أتريوس؛ لذلك قدما للسؤال عن الأمر.

"حسنًا، لكن عليكِ أن تعدينا بالحديث بصراحة" ارتفع حاجب جلنار، لكن بدا هارليك مصممًا جدًا على رأيه. "الفتى محق، توقفي عن إخفاء المصائب عنا، أنا أحب المصائب! من حقي الاشتراك عندما توجد واحدة!" تذمرت ثونار في النهاية مما دفع صبر جلنار للنفاد. "عما تتحدثان كلاكما؟"

"أين تختفين كل مرةٍ تذهبين للتدريب في الغابة؟" سأل هارليك مضيقًا عينه وهذا كان آخر سؤالٍ توقعته جلنار منه. "مـ… ماذا تعني؟ أنا أتدرب داخل الغـ..." قاطعتها ثونار التي اقتربت منها لتبتعد الأخرى وتصطدم بالخزانة خلفها لتضع ثونار يدها تحبسها بينها والخزانة. "لا تحاولي الكذب، أيتها البشرية" هسهست قبل أنح تدرف: "لاحظ كلانا تدريباتك الغريبة، وكذلك طريقة ارتفاع هالتك وطاقتك غير مسبقة تمامًا بالنسبة لي لذلك افصحي عما عندك".

لم يترك هارليك فرصة لها لأنه أضاف بدوره: "تبعتك أكثر من مرةٍ للغابة ولكنك في كل مرةٍ تختفين فجأة، وكأنك فقط مررتِ لعالمٍ آخر، لا يختفي الأشخاص هكذا، ولم تستخدمي عنصر الرياح لأن ثونار التي تبعتني بعدها كانت لتتمكن من إيجاد هيئتك أو الشعور بتدفق طاقتك، وكأن الأرض ابتلعتك، لا تحاولي التبرير، نعرف أن هناك شيء تخفينه وهذا جرحني بالمناسبةـ فقد اعتقدت أننا رفاقٌ وأنك لا تستثنيني، ولكن الآن أشعر وكأنك تبقين الأشياء أيضًا مخفية عني و أيـ...".

قاطعته ثونار بسرعةٍ عندما بدأت تشعر هي وجلنار بالدوار من طريقة حديثة التي لم تنقطع حتى ليأخذ نفسه: "حسنًا حسنًا، أيها المغدور! أعتقد أن فكرتك وصلت".

شعرت جلنار بالذنب وهي تستمتع له، نظرة خيبة الأمل التي كان ينظر بها نحوها بينما لا يتوقف عن محاولة شرح كيف أذته جعلتها تتذكر كيف كان سعيدًا بصداقتهما عندما استثناه الجميع تقريبًا.

"لقد شكا من شيءٍ مشابه لي، ولكنه قرر ألا يفصح عنه لك لئلا يزداد حملك حملًا" أفصح يوجين مشيرًا بإبهامه ناحية هارليك وأرادت جلنار تأنيبه لعدم قول شيءٍ في المقابل.

"حسنًا، لم يكن القصد إخفاء شيء، لكنني لم أكن متيقنةً بالضبط من الأمر كله في البداية" استسلمت جلنار في النهاية لتتسع أعين كلٍ منهما وتصيح ثونار: "إذًا كنا محقين؟". عقدت حاجبها وسألت: "هل اتهمتُماني دون أن تتأكدا؟".

نظر كلٌ منهما للآخر ليصفع هارليك رأسه يائسًا، نظفت ثونار حلقها قائلة: "لم يكن هذا هو القصد، لكن من الجيد أن تتأكد من أنك محق حتى وأنت متأكدٌ من أنك محق".

تنهدت جلنار وقررت عدم خوض جدالٍ لا فائدة منه. "أغلق الباب" طلبت مشيرة لباب غرفتها لتتسع عينا هارليك وابتسامته بحماسٍ شديد ويركض باتجاه باب غرفتها ليغلقه بإحكام.

اتجهت جلنار لحقيبتها وأخرجت كتاب الحكيم لتريه لهما. "هذا هو ما تظنان أني أخفيه، ودفاعًا عن نفسي لم أكن أحاول إخفاءه، لكن لم أكن متأكدةً من كيفية شرح الأمر لكم".

حدق الاثنان بالكتاب باستغرابٍ قبل أن تسلمهما جلنار اللُفافة التي تحتوي على تعليمات استخدام الكتاب، أمسكت بها ثونار ووقف هارليك على أطراف أصابعه ليحاول قراءة المكتوب.

"علي الاعتراف؛ هذا يبدو ممتعًا بحق" مازحت ثونار قبل أن تسلم اللفافة لهاريك ليتمكن من قراءة البقية. "إذًا؟ ما هو هذا بالضبط؟" سألت مشيرةً لكلٍ من اللفافة والكتاب. "عن أي بوابةٍ يتحدث؟" سأل هارليك بدوره ما أن أنهى القراءة. "هنا يأتي الجزء الممتع" تمتمت جلنار ممسكةً بالكتاب قبل أن تخرج الحجر من جيبها.

أخذت نفسًا وقررت أن لا تراجع بعد هذه النقطة. "جلنار، هذا الحجر يحمل طاقةً سـ..." لم تكمل ثونار تحذيرها لأن جلنار ابتعدت لمنتصف الغرفة قبل أن تضع الحجر في منتصف الكتاب.

بدأ بالاهتزاز قبل أن يشكل حقل الطاقة الصفراء المعتاد؛ مما دفع ثونار -التي لم تفهم بعد ما يحدث- لسحب هارليك خلفها لحمايته في حال حدوث شيءٍ خطر لم تحسب جلنار حسابه.

فُتحت البوابة أمام نظرات ثونار وهارليك المذهولة، حدق كلاهما في البوابة بصدمةٍ قبل أن يصيح هارليك: "ما هذا بحق الإله؟". اتسعت ابتسامة ثونار ولم تدرك جلنار نواياها أبكر، لأنها اتجهت نحو البوابة بخطوات متسارعةٍ قائلة: "هناك طريقةٌ واحدة للمعرفة".

"تبا، ثونار! لحظة، انتظري!" صاحت جلنار بسرعةٍ تحاول منعها، ولكن جنون ثونار كان أسرع، فقد ألقت بنفسها دون سؤالٍ لداخل البوابة.

ظل الثلاثي يحدق بصدمة حيث دخلت ثونار للتو. "لمَ لا ينتبه أحدكم للشرط رقم اثنين؟" صاحت جلنار متذكرةً رد فعل يوجين المماثل تمامًا.

"هل ستكون بخير؟ هل انفجرت ثونار؟" صاح هارليك لتزفر جلنار "لا أعلم، ولكن لا أظن، فثونار قويةٌ بما يكفي لدخول البوابة، لكن لا يجب علي تركها هناك". نظرت لهارليك، أدرك نيتها ليعقد ذراعيه فوق صدره عاقدًا حاجبيه "لن تتحركي بدوني".

تنهدت بنفاد صبرٍ وهي تدلك جبينها "لا أعلم إن كانت قوتك الروحية كافيةً، هارليك". زم شفته، ولكنه ابتسم وكأنه وجد أكثر الحلول وضوحًا "أنا أحد الفرسان، لا بد من أنني أملك القوة الكافية".

"لا أظن أن الأمر يسير بهذه الطريقة!" صاح يوجين يود صفعه. "لن أخاطر، هارليك" قالت بنبرةٍ نهائية لتعود العقدة بين حاجبيه ويتمتم متذمرًا.

"ابق هنا حتى أعود مع ثونار" أمرت ليشيح بوجهه غير راضٍ.

حسنًا، يمكنها دائمًا مراضته لاحقًا، التفتت ليوجين وقالت: "ابق معه وتأكد من عدم دخول أحدهم للغرفة، إن تأخرنا في العودة افتح البوابة وحاول إيجادنا". دحرج عينيه وقال: "حسنًا، أمي، أوامر أخرى؟". حاولت تمالك أعصابها وعدم مجارته "لن نفعل هذا الآن، أبقِ عينيك على هارليك".

زم شفتيه وأومأ قائلًا: "أتقصدين هذا الفأر الذي يتسلل من خلفك نحو البوابة؟". اتسعت عينا جلنار والتفت بسرعةٍ لترى هارليك واقفًا بين جسده والبوابة خطوةٌ ويتسلل على أطراف أصابعه. "هـــارلـــــيك!" صاحت لتتسع عيناه ويصيح: "إنه قراري!" قبل أن يقفز داخل البوابة.

"تبًا تبًا تبًا!" صاحت وهي تركض ناحية البوابة. "لا تسمح لأحد برؤية الكتاب، يوجين!" صاحت قبل أن تقتحم المكان بينما تدعي ألا يصيب أحد هذين المجنونين أي أذى.

"لمَ علي أنا البقاء والحراسة؟" تمتم يوجين بعدم رضا، ولكنه كان يعرف أن ترك الكتاب هكذا واتبعاهم للداخل قد يسبب الكثير من المشاكل؛ لذلك رضي حاليًا بالدور الممنوح له.

أما على الجهة الأخرى من البوابة وقفت جلنار على أرض الغابة الواسعة تمسح بعينها المكان بفزعٍ وتحاول إيجاد أحد الاثنين.

"أين نحن بحق الله؟ ولمَ يتبعني هذا الكتاب وحده؟ هذا رائع، ولكنني مشوش" التفتت بسرعةٍ لمصدر الجملة حيث حدق هارليك بالكتاب حوله.

ارتفع رأسه حيث وقفت جلنار لتتسع عيناه بفزعٍ عندما وقعت عينه على تعابيرها الساخطة وخطواتها الواسعة نحوه. "لحظة لحظة لحظة!" صاح وهو يتراجع للخلف، لكنها أمسكت أذنه تقرصها بقوةٍ ليصرخ متألمًا وقد دمعت عينه.

"أتريد أن تفقدني صوابي، أيها الفأر العنيد؟ ألم أطلب منك عدم الدخول؟" صاحت فيه بغضبٍ ولم يكن غضبها سوى نتيجةً لخوفها عليه. "أعتذر أعتذر، ولكن كنت حقًا فضوليًا و.. تبا، أذني… فقط أردت الدخول من أجل ثونار، أنا آسف" تركت أذنه عندما لاحظت الاحمرار عليها ينتقل لوجهه لقوة سحبها.

حك أذنه بألم لتصفع رأسه بخفةٍ مسببة تأوهه. "المرة القادمة سأنتزع أذنك في يدي" تراجع برهبة ممسكًا بأذنه وأومأ بصمت. "وأين المجنونة الأخرى؟" لم تكد تنهي سؤالها حتى حلقت ثونار مسرعةً من فوقها وهي تصيح بحماسٍ وسعادة كبيرين لتصفع جلنار رأسها بندم.

"ثــــونــــار!" صرخت بغضبٍ لتتوقف ثونار فجأة في منتصف تحليقها وتنظر حيث وقفت جلنار تحدق بها بعينٍ قرمزية تكاد تشتعل -حرفيًا- لشدة غضبها، ابتلعت ثونار وبدأت تفكر جديًا بعدم النزول.

"اهبطي هنا، والآن!" أشارت حيث تقف بنبرةٍ نهائية لتحلق ثونار منصاعةً للأوامر وتهبط بجوار جلنار. "قبل كل شيء، لقد كنت أعرف أن..." قُوطعت بصفعة جلنار على رأسها لتصيح بصدمةٍ وألم قبل أن تمسك رأسها متألمةً وقد ابتسم هارليك برضا.

"هل جننتِ؟ أتعرفين خطورة فعلتكِ؟ ماذا إن كانت قوتك غير كافيةٍ للدخول، ثونار؟"

عقدت ذراعيها وهتفت في المقابل: "لا تتصرفي كإحدى المربيات وتوقفي عن كونك مملة". ألقت جلنار رأسها للخلف بنفاد صبر تخرج صرخةً يائسة لتأخذ ثونار خطوةً للخلف ما أن عادت جلنار تنظر لها وعينيها حالت لونًا مشتعلًا "ثونار، لا تختبري صبري".

تنهدت ثونار وقررت التخلي عن العناد لوهلةٍ وشرحت بهدوء: "أجل، ربما أنا متهورة قليلًا و...". قاطعها كل من الاثنين باستنكار: "قليلًا!" دحرجت عينها وأردفت: "ليست النقطة الأساسية، ولكن الفكرة أنني قرأت تلك الشروط جيدًا وأعلم مقدار قوتي الروحية ومقدار قوة سحر البوابة في اللحظة التي فُتحت بها. أجل، تحمل طاقةً كبيرة، ولكن لا تشكل خطر علي كما..." ضيقت عينها تنظر لجلنار بغيظ، ثم أكملت: "توقفي عن إهانتي! أتعلمين من أنا بحق الإله؟ قوةٌ غير كافية؟ جلنار، الفرسان أقوى مما تظنين، لستِ الوحيدة التي تتطور بيننا".

ظلت جلنار تحدق نحوها قبل أن تنظر لهارليك الذي عقد ذراعيه وأومأ متفقًا لتتنهد مستسلمةً لكليهما.

"حسنًا، الأمر وما فيه أنني كنت خائفةً عليكما ليس إلا" تمتمت وهي تحك مؤخرة رقبتها مما دفع شعور الذنب للتسلل لكليهما. "لم أكن لأريكما الكتاب إن كنت أخطط لمنعكما تمامًا من الدخول، ولكن كل ما أردته أن نكون حذرين".

تبادل الاثنان الآخران النظرات قبل أن يقررا تهدئة حدتهما؛ فنواياها لم تكن مسيئةً في النهاية.

"إذًا أتنوين شرح ما هذا؟" غيرت ثونار الموضوع قبل أن تصبح الأجواء غريبةً بينهم وأشارت للكتاب الذي حلق بجوار كل واحدٍ منهم.

"إنه كتيب تعليمات، كلما دخل متدربٌ سُجل دخولك وكلما زاد عدد مرات تدريبك ستجدين جميع تلك المرات مسجلة بالتاريخ مع وقت الدخول وانجازتك والمهارت المكتسبة هنا" شرحت باختصار لتتسع عينا هارليك بحماسٍ بينما ظلت ثونار تتفحص كتابها الخاص.

"هذه هي مهمة كلٍ منكما والتي عليكما إنجازها حتى تتمكنا من الخروج من هنا، وإن لم تتمكنا من تنفيذها..." صمتت ليحدق كلاهما بها يتذكران التعليمات خاصة رقم خمسة "لا تفكرا بالخروج حتى".

حاولت جلنار تنظيم جملةٍ أو قول ما حتى تُهدئ فزعهما وتوترهما قبل أن يبدأ، ولكن ما لم تحسب له حسابًا أن كلًا من الاثنين صرخ حماسًا قبل أن يقرأ هارليك مهمته بصوتٍ عالٍ:

"مهمة اليوم: امنع بوليفيموس من تدمير شجرة الرمل، اقتل بوليفيموس! ماذا عنكِ، ثونار؟" نظر نحوها وهو ينتقل من قدمٍ لأخرى بحماسٍ شديد.

 "مهام اليوم: التخلص من الكاهن راموسلا، قتل عشرة آلافٍ من أقزام الغابة، الحصول على جوهرة عين التنين، هذا هو المكتـ... لحظة، ماذا؟" قالت قبل أن تنظر نحوه، ولكن ما لبثت حتى قفزت عينها مجددًا للكتاب صارخةً بصدمةٍ مما وتر جلنار. "مـ… ماذا؟" سألت بسرعةٍ لتنظر نحوها ثونار بأعين واسعة "أتريدين القول إن هناك جوهرة عين تنينٍ هنا؟ أهذا تعبير مجازي؟ أم أيًا يكن ما هو موجود هنا فقط ... لا أعلم، شيءٌ خيالي لا يمكنك استعماله في العالم الحقيقي؟".

طرفت جلنار باستغرابٍ وأجابت: "لا، كل شيءٍ هنا حقيقي، ما أن تنهي تدريبك يمكنك أخذ الغنائم معك للعالم الخارجي".

ظلت ثونار تحملق بجلنار بشفتين منفرجتين بصدمة "أي أن هناك فرصةٌ لي بالحصول على عين تنينٍ هنا؟". أومات جلنار معقبة: "بل عليكِ الحصول عليها للخروج و… بحق الإله ما خطب هذه الجوهرة؟".

بدأت ثونار تتدارك صدمتها، وعندما أدركت ما هي على وشك كسبه اتسعت ابتسامتها الخبيثة والمتحمسة مثيرةً خيفة جلنار. "ثونار!" قالت بحذر، لكن الأخيرة حركت رقبتها في محاولةٍ لتليين عضلاتها وقالت: "لا أهتم بأي شيءٍ آخر إن كان علي الحصول على جوهرة عين التنين، أيًا كان المانع... سأنفيه".

ابتلع كلٌ من جلنار وهارليك وبينما يبتعدان ببطءٍ عن ثونار؛ فتلك العين تحولت لأخرى شرسة في ثوانٍ.

"ماذا عن مهماك؟" سأل هارليك في محاولةٍ لتغيير الموضوع قبل أن تنجرف ثونار كثيرًا، نظرت جلنار لكتابها والذي كتب عليه سؤال وإجابتان اعتادت رؤيتهما مؤخرًا. "لمَ يطلب خاصتك رأيك بشأن إن كنتِ تريدين المشاركة في التدريب أم لا؟ ظننت أن الموضوع إلزالمي!" سألت ثونار مكتفةً ذراعيها لتفسر جلنار: "قضيت وقتًا طويلًا هنا وقبلت مهمةً إضافية منحتني جائزةً تسمى الإرادة، أصبح بإمكاني اختيار إن أردت القبول بمهمةٍ أو دخول البوابة والبحث عن غنائم فقط".

ظلت ثونار تحدق في وجه جلنار بجمود. "ماذا؟" صاحت لتصفع ثونار كتفها بقوةٍ قائلة: "أيتها الماكرة، لم تكلفي نفسك عناء إخباري!". تنهدت جلنار وصاحت: "لقد قلت أنني لم أخفِ الأمر، انجرفت فيه ولم أعرف كيفية شرح الموضوع، ثم...".

نظرت لكليهما وقالت: "علينا فهم مهامكما، خاصةً أنت، أيها الأزرق! لا نعلم ما قد يظهر هنا بالظبط".

"اقبلي مهتمك إذًا" طلبت ثونار بثبات. "لمَ علي هذا؟" سألت باستنكار لتدحرج الأخرى عينها قائلة: "لئلا تكوني مملة، هيا، جلنار! دعينا نستمتع مرةً واحدة".

حركت جلنار رأسها للجهتين رافضة "علي البقاء متفرغةً لمساعدتكما إن ظهرت مشكلة". دحرجت ثونار عينيها قائلة: "تعلمين أني لست بحاجةٍ للمساعدة، إن كنتِ تقصدين أزرق الرأس فلا تجمعيني معه". نظرت جلنار لهارليك الذي نظر نحوها بأعين واسعة متوسلة لتقبل مهمتها.

صاحت بيأسٍ عندما نظرت نحوها ثونار بذات العينين قبل أن تهتف: "حسنًا، توقفا! قبول المهمة!".

صاح الاثنان وضربا كفيهما بانتصارٍ لتظهر أمام جلنار مهمةٌ واحدة: (ساعدي الساحرة المتدربة في مهمتها).

صاحت الاثنتان في الوقت ذاته: "ماذا؟".

"لمَ عليكِ مساعدتي أنا؟ لا أحتجها!"

"لمَ ثونار وليس هارليك بحق الإله؟"

ارتفع حاجب هارليك وبدل نظره بينهما بمللٍ قائلًا: "حقًاَ!". تبادلت كلٌ منهما النظرات بصمتٍ ليتنهد قائلًا: "لا أظن أن مهمتي صعبة؛ لذلك لا يجب على أحدٍ مساعدتي، لكن يبدو أن مهمة ثونار أصعب، توقفا عن معاملتي كطفل، أنا الآن محارب".

حاولت جلنار شرح وجهة نظرها، لكنه تجاهلها وأردف: "توقفا عن القلق، ما زلت أحمل هذه معي، إن ساءت الأوضاع سأستخدمها" رفع  القلادة التي كانت حول رقبته، والتي كانت تحتوي على كبسولةٍ حديدية داخلها إحدى حبات الدواء الذي صنعته ثونار لتساعده على التحول.

نظر لكتابه قائلًا: "ولا أظن أن هناك داعٍ لاستخدمها، لا بد أن بوليفيموس ذاك حيوان شرس أو بري؛ لذلك توقفا عن القلق و...".

توقف عن الحديث عاقدًا حاجبيه لتنظر كلاهما له باستغراب. "ماذا؟" سألت ثونار لينظر حوله ويقول: "ألا تشعران بهذا؟". نظرت كل واحدةٍ للأخرى قبل أن يحاولا فهم ما يقصد.

لم يستغرقا وقتًا لأن اهتزاز الأرض من تحت أقدامهم كان من الصعب عدم ملاحظته. "ما هذا بحق الإله؟" همست ثونار وكأن أحدهم سيسمعها.

"تبًا! أقلت حيوان بري؟" التفت الاثنان لجلنار التي قد التفتت تنظر للجهة الأخرى برأسٍ مرفوع وعينٍ واسعة قبل أن تقول بصدمة: "بوليفيموس، كان علي أن أعرف!".

اتسعت عين هارليك وهو يحدق بالهيئة الضخمة التي تقطع الغابة الشمالية بخطواتٍ ثقيلة تسبب اهتزاز الأرض مع كل خطوة، ضخم الجثة ذو جلدٍ بني سميك وأنيابٍ قذرة ضخمة برزت من بين شفتيه، وعينٍ واحدة ضخمة توسطت رأسه كانت تتحرك في الأرجاء بحثًا عن شيءٍ ما قبل أن تثبت على وجهتها حيث الغرب.

"الشجرة!" تمتمت جلنار مدركةً ما يبحث العملاق عنه لتصيح بهارليك: "إنها مهمتك، هارليك! عليك حماية الشجرة قبل أن يصل لها!". كان هارليك لا يزال يعالج صدمته وهو يحدق بالعملاق الواقف ينظر غرب الغابة.

"هل أعجبكم تابعي؟"

نبرةٌ باردة مستمتعة جذبت انتباه الثلاثة، رجلٌ طويل ونحيل تقدم من بين الأشجار، يرتدي عباءةً سوداء طويلة مشابهة لعباءات الكهنة وبين شفتيه سيجارةٌ ثخينة ينفث دخانها بهدوء، حليق الرأس ذو عينٍ سوداء حادة وقاتلة، وعينه الأخرى انتزعت نتيجة الجرح الطولي البادئ من مقدمة رأسه وصولًا لوجنته، ومرورًا بعينه، وعوضًا عن عينه كانت هناك مقلة حمراء غريبة.

"جوهرة عين التنين!" قالت ثونار مذهولةً وهي تنظر لعينه الغريبة قبل أن تتبدل عينها لأخرى شرسة كمفترسٍ وقعت عينه على فريسةٍ لا تعوض.

"حظًا موفقًا!" صاحت جلنار مسببةً ابتسام الكاهن قائلًا: "لن يكون الحظ كافيًا". ابتسمت جلنار نحوه قائلة: "لم أكن أتحدث معها، لقد كنت أتحدث معك أنت" عقد حاجبيه متسائلًا، ولكن في خلال ثانيةٍ جاءه الجواب.

كانت ثونار قد ظهرت أمامه وقد امتدت يدها نحو عينها تنوي انتزاعها دون مقدمات.

كانت جلنار تعرف أن ثونار ليست بالقوة التي تظهرها دائمًا، إنما أكثر قوةً ورعبًا، حتى على أرض المعركة لم تظهر قوتها كاملةً خشية أذى أحد المقاتلين اللذين في صفوف الحلفاء، ولكن هنا… الأرض مفتوحةٌ ومنعزلة تمامًا؛ لذلك ليكن الله في عون خصمها.

وضعت جلنار انتباهها على هارليك الذي ارتبك فجأةً وهو يبدل نظره بين العملاق الذي بدأ التحرك وثونار التي بدأت القتال فورًا.

"هارليك!" التفت ينظر نحوها وكأنه يسأل عما عليه فعله.

أخذت جلنار نفسًا تقرر به إن كان عليها منحه تلك الفرصة أم لا، ولكنها في الواقع لا تملك خيارًا؛ فقوانين البوابة واضحة! لن يخرج حتى ينهي مهمته ولا يمكنها التدخل في طريقة عمل النظام، كما أنها لم تساعده في التحول لعملاقٍ حتى يُترك جانبًا، إنه أكثر شخص في حاجةٍ لهذه البوابة ليتمكن من التدرب على كيفية تحوله.

ربما أفضل وسيلةٍ لحماية هارليك هي ترك هارليك يعتمد على ذاته؛ لذلك ابتسمت نحوه بثقةٍ لتمنحه بعض الشجاعة، ومدت كف يدها نحوه قائلة: "امنحني كبسولة الدواء".

اتسعت عيناه مدركًا ما تقصد، ولم يكلفه الأمر سوى خمس ثوانٍ من الخوف قبل أن يتغلب عليه مخرجًا كبسولة الدواء ويناولها لجلنار بحماسٍ شديد.

أشعلت جلنار يدها بنيرنها الباردة لتشتعل الكبسولة بالكامل، نظرت لهارليك وقالت: "تتذكر خطوات تحولك؟". أومأ بسرعةٍ وجسده يرتجف حماسًا، ابتسمت جلنار وناولته الكبسولة قائلة: "حظًا موفقًا، أيها الفارس".

كان شاكرًا في هذه اللحظة، الثقة التي تفيض من نبرتها وعينيها كانت كفيلةً بدفعه، ليس فقط لإنهاء مهمته، بل لاستغلال كل لحظةٍ فيها ليصبح أفضل، ليصبح بطاقة جلنار القاتلة.

ابتلع الحبة ووضع كامل تركيزه على الهدوء ليتحول دون تدمير شيءٍ ما، ابتعدت جلنار عنه بسرعةٍ تمنحه المساحة اللازمة ليتحول.

مضى وقتٌ طويل منذ آخر مرةٍ رأت فيها هارليك العملاق، وفي كل مرةٍ يتحول تشعر بالانبهار لإمكانية شيءٍ صغير كهارليك أن يصبح بهذه الضخامة والقوة في دقيقةٍ فقط.

"أنت بخير؟" صاحت وهي تراقب هارليك الذي بقي بمكانه يحاول التقاط أنفاسه بهدوءٍ قبل أن يحرك رأسه نحوها ويبتسم ابتسامةً بلهاء رافعًا إبهامه الأيمن لتبتسم براحة.

التفت هارليك نحو خصمه العملاق الذي تحول انتباهه من الشجرة الضخمة غرب الغابة -والتي تمد الغابة كلها بالحياة- إلى العملاق الأزرق الذي تضخم فجأة.

كانت جلنار تريد التركيز مع هارليك وقتاله، بالرغم من ثقتها به لم تتمكن من منع رغبتها في حمايته، ولكن صوت الانفجار الضخم خلفها أجفل جسدها بقوةٍ ودفعها للقفز بعيدًا ما أن شعرت بأن الصوت ستتبعه موجة نيرانٍ ضخمة نحوها وكانت محقة.

هبطت على قدميها بعيدًا عن الانفجار الذي أحدثه ذلك الكاهن ما أن لوح بيده اليمنى نحو ثونار في حين كانت يده اليسرى ممسكةً بعصا طويلة سوداء ذات نهايتين حادتين كشفرات منجل.

وعلى الجهة الأخرى كانت كومة من مخلوقاتٍ غريبة متكومةً فوق بعضها ويتزايد عددها، بعضها كان صغيرًا وأخضر اللون وهمجيًا بشكلٍ متوحش وقد كانت الأقزام كما تمكنت جلنار من التخمين، والبعض الآخر كان أشبه بالقرود الحمراء، ذا قرونٍ غريبة، بعضها يملك قرنين والآخر يملك واحدًا، وبعضهم ثلاثة، وجميعهم بدوا كالزومبي وهم يتدافعون حيث نقطة واحدة بينما يخرج المزيد منهم حافرين الأرض ومن بين الأشجار.

كومة الأجساد التي تدافعت حيث نقطة واحدة انفجرت جميعها في كل مكانٍ كأشلاء وتناثرت دماء من كان فيها لتظهر ثونار واقفةً بذراعين تلطختا بالدماء بالكامل وشراراتٍ من البرق تلتف حول جسدها، ولم تتوقف لأنها انطلقت نحو الكاهن بلا ترددٍ تحلق بأقصى سرعتها.

"أبتراموكس جانكس!"

صرخت بابتسامةٍ ملوحة بيدها نحو الكاهن موجهةً موجة من الطاقة الحمراء الضخمة والتي تراها جلنار للمرة الأولى في حياتها.

استخدم الكاهن عصاه ليلفها بسرعةٍ مكونًا موجة قوية من الهواء قبل أن يبدأ درعٌ من النيران التشكل بسبب حركته صادًا هجمة ثونار لتنفجر من حوله مصيبةً الكائنات التي تتدافع بشكلٍ جنوني نحو ثونار.

رفع عصاه نحو السماء ونفث داخن سيجارته بهدوءٍ لا يناسب الخصم الذي يواجهه، ثم نطق بصوت جهوري: "بالسلطة المخولة لي، بقوة الإيمان وبروح كاهن الظلام، لتنزل عليكن قوة ألبيموس باتحاد مخلوقات الأرض والسماء!".

دائرةٌ سحرية ضخمة بدأت تتشكل حول عصاه بينما كانت ثونار تتقدم بلا توقفٍ نحوه غير آبهةٍ بأي مما يفعل.

وفجأةً من اللا مكان اندفعت آلافٌ من الأقزام من تحت الأرض مشكلين جدارًا حاميًا أمام الكاهن وأمام ثونار، تليها مئات الشياطين الصغيرة الطائر منها والزاحف.

"تبًا" تمتمت جلنار التي أدركت أنها تراقبهم من بعيد، ولكن من وجهة نظرها في البداية لم تبدُ ثونار في حاجةٍ للمساعدة.

كانت ثونار تبارز بشراسةٍ وتفتك بكل مخلوق يقف في وجهها، كانت تمزق أجسادهم تمزيقًا بلا مبالاةٍ قبل أن تصيح بنبرةٍ غنائية: "احترس، أيها الأصلع! جوهرة التنين تلك ملكي اليوم!".

اتبعدت جلنار عن الطريق ما أن اندفعت مجموعةٌ من جثث الشياطين التي فجرتهم ثونار نحوها، وبدا لثوانٍ أن تكاثر المخلوقات ليس عاديًا؛ فقد كانت أعدادها لا تكف التزايد، وكأن بوابة تحت الأرض فُتحت لجيشٍ منهم!

اهتزاز الأرض من تحتها بقوةٍ جذب انتباهها نحو هارليك وقتاله الذي بدا محتدًا أيضًا؛ فقد قذف بجسد خصمه بعيدًا عن الشجرة قبل أن ينطلق نحوه ينوي الهجوم ليوقف خصمه ممسكًا بيديه.

أعادت انتباهها لثونار التي كانت تؤخرها الأعداد التي تندفع نحوها؛ مما دفع جلنار لبدء التحرك.

أنشأت موجة قوية من الهواء لتتخلص من المجموعة الضخمة التي اندفعت حولها وصاحت بثونار: "اتركيهم لي واحصلي على جوهرتك!".

كانت ثونار بدأت تشعر بالفعل بفقدان صبرها مع مرور الوقت؛ لذلك تدخل جلنار أثار استحسانها لتتحرك غير آبهةٍ بتلك المخلوقات وتركض جلنار بسرعةٍ تسخر كلًا من النيران والهواء لتخلي الطريق أمام ثونار نحو الكاهن.

قفزت ثونار محلقةً في الهواء بكامل جسدها قبل أن تستعدي صاعقةً ضخمة تسببت بصوت رعدٍ قوي ضرب المكان لتلقي بكامل طاقتها نحو الكاهن، مئات الصواعق ضربت المكان الذي وقف فيه ليغرز عصاه في الأرض وينطق بسرعة: "زيزاكسل" منشئًا حقلًا ضخمًا من الطاقة حوله يحمي به جسده.

ضربت صاعقة ثونار درعه عشرات المرات مسببةً ضررًا ضخمًا، ولم تنتظر ثونار لأنها استحضرت تعويذتها بسرعة: "أبتراموكس جانكس". تلك المرة كانت أقوى من سابقاتها لتشكل فجوةً ضخمة في درع الكاهن.

أحد الشياطين ركض بشكلٍ متحوش وقفز ناحيتها محاولًا تمزيق رأسها، لكن جسده اندفع بعيدًا في الهواء قبل أن ينفجر وتهبط جلنار على قدميها خلف ثونار تتحكم بسرعةٍ بأجسادهم تقذفهم بعيدًا وتشكل ضغطًا قويًا يفجر جسد كل من يقترب من ثونار.

ما زالت أعدادهم تتزايد ولم تتوقف جلنار لثانيةٍ وهي تدفع كل واحدٍ منهم بعيدًا عن ساحة قتال ثونار، أما الأخيرة اندفعت محلقةً نحو الكاهن الذي أزال درعه المتضرر وحرك يده اليمنى ملوحًا حيث ثونار وجلنار.

خلفت حركة يده مئات الانفجارات في المكان، كانت ثونار تتجنب كل واحدةٍ منها في ثوانٍ بلا عناء ووجهتها نحو عين الكاهن واضحة.

لوحت جلنار بسرعةٍ مشكلةً درعًا قويًا من الحجر حولها يمنع وصول الانفجارات لجسدها قبل أن تدفع بدرع الصخور من حولها ليندفع بعيدًا محطمًا أجساد الأقزام والشياطين التي حاوطتهم.

أرادت جلنار إخلاء الساحة من تلك المخلوقات لدقيقةٍ واحدة؛ فقد بدأت تشعر بالغضب لكثرة توافدهم دون توقف، أشعلت النيران بقوةٍ في كلٍ منهم حولها قبل أن تمد مئات الجذور من تحت الأرض والتي اخترقت جسد كلٍ منهم لتقذف به بعيدًا.

في ثوانٍ أخذت نفسًا عميقًا مغمضةً عينها لتبدأ باستخدام قدرتها على قراءة الفراغ من حولها وترى أجسادهم تتحرك من خلال مئات الأنفاق من تحت الأرض شاقةً طريقها للخارج، وآخرى شقت طريقها من بين الأشجار محلقةً نحوهما.

زفرت نفسًا بهدوءٍ قبل أن ترفع يدها نحو السماء مشكلةً عاصفة ضخمة من النيران التي التفت في السماء تشعل أجساد الشياطين التي تقترب نحوها، حلق جسدها مسافةً مبتعدًا عن الأرض وجميع أوردة جسدها تضيء بطاقةٍ صفراء قبل أن تفتح عينها التي حالت لونًا أصفر مشعًا مصدرةً طاقة قوية تخللت الأنفاق التي رأتها لتبدأ سلسةٌ من الانفجارت المتتالية بلا توقف تدمر أي مخلوقٍ تحت الأرض.

توقف ثونار والكاهن عن القتال لثوانٍ يحدقان بتشققات الأرض التي تشع بطاقةٍ صفراء لتتسع أعينهما ويقفزا بعيدًا قبل أن تنفجر الأرض بالكامل من حولهم وتهدم نصف الأنفاق التي كانت تحت الأرض.

توقف تدفق المخلوقات المتوحشة نحوهما وهبطت جلنار على الأرض تتنفس بصعوبة؛ فما زالت تلك مهارة لم تعتد استخدامها بعد.

قدرتها جذبت انتباه الكاهن الذي أدرك أن ثونار ليست الوحيدة التي تشكل خطرًا عليه؛ لذلك حرك عصاه نحوها ناطقًا بتعويذته التي شكلت دوائر سحريةٍ أخذت تتضخم بسرعةٍ وقوة، ومجال القوة السحرية التي شعرت به ثونار أثار فزعها؛ فقد كان ينوي إنهاء جلنار بضربةٍ واحدة، فلا يمكن لأي أحدٍ النجاة تحت ضغط تعويذةٍ مماثلة.

التفتت ثونار ناحية جلنار صارخةً بفزع: "جلنار، انتبهـ..." لم تكد ثونار تكمل تحذيرها لأن جلنار التفتت في الثانية الأخيرة وقد رفعت يدها في وجه تعويذة الكاهن صارخة: "أجالادان درامنيس، كيراكس بيفموفال!".

بدأت بسرعةٍ كلمات السحر الأسود تأخذ مكانها فوق ذراعها وصولًا لرقبتها ووجها لتتحول عينها لأخرى بيضاء وتشكل قوةً سحرية من الضوء التي تصدت بقوةٍ لتعويذة الكاهن مسببةً ضغطًا قويًا في المكان دفع ثونار لتشكيل درعٍ تحمي به نفسها، وفي ذات الوقت اندفع جسدا العملاقين بعيدًا بسبب قوة التصادم.

وقفت جلنار في مكانها وقد حفرت قدميهما الأرض لشدة محاولتها البقاء ثابتة في مكانها وقد شكل الكاهن درعًا بعصاه يحمي نفسه.

حدقت ثونار بصدمةٍ بدرعها الذي تشقق بفعل قوة الصدمة قبل أن تنظر لجلنار غير مدركةٍ كيف لها أن تتقن تعويذةً محظورة كهذه!

تلك كانت مرة جلنار الثانية بعد أن طبقتها ضد الساحرة في أحد تدريباتها، ويبدو أن تعويذةً كتلك تستهلك قوةً كبيرة من جسدها لأنها شعرت برأسها أخف، ولكنها قاومت رغبة السقوط أرضًا.

"لمَ بحق خالق الجحيم بإمكانك استخدام تعويذة أموذا؟" صرخت ثونار بصدمةٍ لتصيح بها جلنار: "ليس الوقت المناسب، إنه أضعف الآن، كما أنني أوقفت تلك المخلوقات لبعض الوقت، انهي مهمتك!".

كانت جلنار محقة؛ لذلك كان على ثونار تناسي إتقان بشريةٍ واحدة من أكثر التعاويذ خطورةً والتركيز على قتالها ضد الكاهن.

ولسببٍ لا تعلمه جذب جلنار أنظار الكاهن بعيدًا عنها واستشعار خطورة أحدٍ غيرها دفع شعورًا غريبًا من الغضب للتمكن منها. "خصمك هو أنا، أيتها النكرة" تمتمت منطلقةً نحوه بأقصى قوتها لتستحضر ثلاث تعويذاتٍ في ذات الوقت وتهاجمه بشراسة.

في الجهة الأخرى تراجع عملاق هارليك بينما يدفعه بوليفيموس بعيدًا عن الشجرة ليدمرها، تدارك هارليك الأمر ومنع نفسه من السقوط وقرر أن مجرد دفع خصمه بعيدًا لن يجدي فقد كان يقاتل بطريقة أشرس منه.

هيأ جسده قبل أن ينطلق مسددًا لكمة قوية لوجه خصمه مسببًا غضبه لينطلق نحوه بغضب صائحًا بغيظ دفعًا جلنار لسد أذنيها لقوة صرخته.

لُكم هارليك بعيدًا ليقع جسده مسببًا اهتزاز الأرضية مجددًا، قفز بوليفيموس رافعًا قبضتيه في محاولةٍ لتحطيم وجه هارليك الذي تدحرج فوق الأرضية مانعًا قبضة خصمه من إصابته ومحاولًا سحب القتال بعيدًا عن الشجرة قدر الإمكان.

لم يتوقف بوليفيموس وحاول مجددًا تحطيم هارليك ليمنعه الأخير ممسكًا قبضتيه ورافعًا قدمه ليركل معدته قاذفًا به بعيدًا.

لم يكن بعيدًا جدًا، فقد هبط جسده بجوار ساحة قتال الفتاتين والكاهن.

حمت جلنار وجهها من الغبار الذي اندفع لكل جهةٍ ما أن سقط جسد بوليفيموس، وقبل أن ينهض ركض هارليك نحوه مقلدًا طريقة قتاله رافعًا قبضتيه قبل أن تهبط فوق صدر خصمه.

صرخ الأخير بغضبٍ وأمسك قبضة هارليك ووجه لوجهه لكمة بيده الأخرى، ركضت جلنار بسرعة بعيدًا عن جسد هارليك الذي ترنح نحوها وكادت قدمه تدهسها.

ما لبثت حتى قفزت بسرعةٍ وشكلت درعًا من الصخر ما أن كادت تصيبها إحدى هجمات ثونار التي لم تتوقف. "الرحمة، كل ما طلبته دقيقة لأخذ أنفاسي" تمتمت بانزعاج قبل أن تدمر حاجزها وتنطلق نحو المخلوقات التي عاودت الخروج ولكن بشكلٍ أقل هذه المرة.

ركضت فوق الأرض تتلمسها بأطراف أصبعها لترتفع الجذور من تحتها وتخترق صدور أي مخلوقٍ يحاول إيقاف ثونار وهارليك.

بدأت الغيوم تتكاثر في السماء وكان من السهل ملاحظة الشحنات الي ملأت الجو، نظرت بسرعةٍ نحو ثونار التي كانت تحلق بين أقدام العملاقين بشكلٍ متساوي مع الأرض قبل أن تدفع جسدها للتحليق بشكلٍ عمودي فوق رأس الكاهن الذي رفع عصاه مشكلًا دائرةً سحرية ضخمة لمهاجمة ثونار.

حالت عين ثونار لونًا أبيض كامل ورفعت يدها قبل أن تهبط ملوحةً حيث الكاهن مشكلةً ضربة برقٍ ضخمة حرقت نصف قطر المكان محولةً الأشجار لرماد من حولهم.

"إلهي! ما هي حدود قدراتها بالضبط؟" لهثت جلنار تشعر بصفير أذنيها لصوت تصادم الاثنين معًا.

في المقابل في كل مرةٍ تحرك هارليك بدأ يشعر بجسده العملاق يصبح أخف وحركته تصبح أكثر سلاسة؛ لذلك كانت لكماته نحو خصمه تصبح أقوى وأكثر سرعة مما أثار غضب العملاق الآخر لتشتد عينه احمرارًا ويزمجر في وجه هارليك.

نظر نحوه الكاهن ليلوح بيده نحو عملاقه متمتمًا بتعويذة استعداءٍ لتظهر بين يد العملاق هراوةٌ ضخمة بنهايةٍ مدبدبة، وبدا وكأنه السلاح الأنسب ليستخدمه عملاقٌ بعقل بدائي.

"هذا غش!" صاحت جلنار، ولكنها تناست أنها ليس لعبةً أو نزالًا عادلًا.

أوقف هارليك ضربة الهراوة جامعًا كلتا يديه أمام وجهه، ولكن خصمه لم يتوقف وهو يرفعها ويهوي بيها أكثر من مرةٍ بغضب نحو هارليك.

"هارليك، تماسك!" صرخت جلنار تفكر في طريقةٍ لمساعدته وحاولت تسديد ضربة لخصمه، ولكن بدا وكأن جلنار فقدت قوتها فجأة!

نظرت لكتابها الذي حلق نحوها مظهرًا تحذيرًا يمنعها من التدخل في نزالٍ لم يسمح لها النظام بالتدخل فيه لتلعن النظام والبوابة معًا.

"يمكنني… تدبر… أمري" بالرغم من أن الكلمات خرجت ثقيلةً متقطعة من هارليك فإن جلنار فهمت مغزاها، لكن كيف لها البقاء ساكنة أمام قتالٍ كهذا ضد هارليك؟

لم تلبث حتى وجدت إجابتها؛ فهارليك بدا كمن فاض به الكيل لأنه أمسك بالهراوة بيده اليسرى، ثبتها لثوانٍ وهوى بيده اليمنى يلكم عين خصمه مسببًا اندفاع جسد بوليفيموس للخلف، ولكنه تدراك موقفه وثبت قدميه فوق الأرضية.

ركض مجددًا نحوه هارليك ملوحًا بالهراوة التي بيده لتصيب هارليك مرةً ويصدها مرة، بدأ النزال بينهما يشتد، ولكن انتباه جلنار جُذِبَ بعيدًا مجبرةً عندما لاحظت الطاقة الغريبة الصادرة من خلفها.

التفتت حيث قتال ثونار والكاهن لتتسع عيناها بصدمة.

كان الكاهن منحنيًا على الأرض ممسكًا بعينه اليمنى حيث هدف ثونار منذ البداية، كانت الجوهرة لا تزال ثابتةً في محجر عينه، ولكن خدشًا قويًا سبب نزيفًا على طول وجهه كان قد أصابه.

حركت ثونار يدها تحاول تحمية عضلاتها متمتة: "سأحصل عليها هذه المرة"...

لكن يبدو أن للكاهن خطط أخرى؛ فتلك الهالة لم تكن شيئًا يمكن الاستهانة به.

نظر لثونار بشرٍ وحقد شديدن قبل أن يزمجر وقد دفع أسنانه ضد بعضها حتى كادت تتحطم.

بدأت عضلات جسده الانكماش قبل أن تتضخم بشكلٍ غريب ويبدأ جسده بالكامل التحول للونٍ أسود بينما يتضخم، قرنان ضخمان مزقا جلد رأسه ليرتفعا على جانبيه بينما عينه اليمنى -التي تحتوي على الجوهرة- بدأت تتحرك من مكانها لمنتصف رأسه وظهرت عينٌ ثانية مكانها سوداء، أسنانه أصبحت أكثر بروزًا وقبحًا وتكور على نفسه يزمجر بألم قبل أن تخترق عظام ظهره ثلاثة أذرع أشبه بجمساتٍ ضخمة سوداء تتلوى في كل اتجاه، ثم يندفع جسده واقفًا وهو يزمجر بصوتٍ زلزل الغابة.

ظهر كتاب تعليمات جلنار حولها وجملةٌ بخط أحمر قد ظهرت: (دخول الكاهن طور الشيطان، ارتفاع مستوى الخطر، ينصح بالانسحاب).

اتسعت عينا جلنار ورفعت رأسها حيث ثونار التي تنظر لكتابها أيضًا.

لم يظهر شيءٌ كهذا من قبل رغم كثرة تدريباتها، مهما بدت حياتها في خطر لم يظهر الكتاب تحذيرًا؛ لذلك أرادت إخطار ثونار بالأمر، ولكن الابتسامة المفزعة التي اتسعت على وجه ثونار جعلتها تدرك أن تراجعها أمرًا مستحيلًا…

فقد قبلت الساحرة بعدم الانسحاب منذ اللحظة التي زاد فيها الأمر خطورة.

لعنت جلنار مدركةً أن لا خيار آخر تملكه سوى الانقياد لرغبات الساحرة ومساعدتها في القضاء على أيٍ يكن الشيء البشع الذي يواجههما.

دفعت الهواء تحت أقدامها لتقفز عاليًا ما أن كادت أحد مجساته تشطر جسدها لنصفين، وفي نفس الوقت لوح بعصاه منشئًا حقلًا من الطاقة لتندفع ثونا من خلاله غير آبهةٍ إن أصابها أو لا.

اندفعت جلنار بسرعةٍ من الجهة الأخرى ولوحت بيدها صانعةً شفرة من الهواء لتقطع المجسات التي كادت تصيب ثونار.

كان قتال عملاقنا يحتد أيضًا وقد اندفع الاثنان تضرب أقدامهما الأرض لتندفع ثونار وتأخذ منحنى حول قدم بوليفيموس محلقةً بسرعةٍ قبل أن تصطدم قدمه بالأرض بينما تركض جلنار بسرعة، وقبل أن تدهسها قدم هارليك بثوانٍ انزلقت من تحته على الأرض ونهضت بسرعةٍ مكملةً ركضها نحو الكاهن.

ضربته ثونار ببرقها مجددًا قبل أن تتجدد مجساته التي قطعتها جلنار وتزداد عددًا، ثم حلقت في دائرةٍ من حوله تلمس الأرض بكلٍ من أصبعيها الوسطى والسبابة لتحفر دائرةً حول الكاهن في الأرض قبل أن تصيح بإحدى تعويذاتها.

تكون حاجزٌ سحري حول الكاهن وداخله مئاتٌ من صواعق البرق ضربت جسده، خمسون صاعقةً في الدقيقة كانت كفيلةً بتدمير أي كائن، ولكن ذاك الكاهن تماسك وبدا وكأن وحشيته تزداد.

في الجهة الأخرى زمجر هارليك بقوةٍ وقد قرر إنهاء قتاله، بدأت عضلات جسده تضخم بقوة وكأن الدماء الزرقاء بدأت تدفق داخل أوردته بشده لتزداد شدة صلابة جسده وينحني فوق الأرضية يستعد لهجومه بكامل ثقله وقوته.

حفرت قدمه الأرض قبل أن ينطلق ممسكًا الهراوة التي لوح بها بوليفيموس، ضغط عليها بقوةٍ بكفه لتتفتت بين يده، وباليد الأخرى ركض ولف ذراعه حول خصر خصمه وحمله من فوق الأرضية قبل أن يدفعه على ظهره، وقبل أن يسقطا أرضًا ركضت جلنار بسرعةٍ وقد وقع ظل جسديهما فوق الأرضية يغطي مساحة واسعة!

دفعت جلنار النيران في جسدها بالكامل لتزداد سرعتها لتبتعد عن مجالهما قبل أن يسقط  بوليفيموس أرضًا ويسقط هارليك فوقه، ثم يبدأ في تسديد لكماتٍ له بقبضتيه، مرةً باليمنى ومرةً باليسرى، بسرعةٍ وقوة شكلت ضغطًا قويًا في الهواء.

كونت جلنار قوة نيران قوية تفجرت في وجه الكاهن لتصيح ثونار عندما شتت جلنار انتباهه: "لست في حاجةٍ للمساعدة" وتزامنًا مع جملتها أطلقت تعويذة تسببت في قطع ذراع الكاهن اليسرى.

"تبًا، ثونار! ليس هذا الوقت المناسب!" لم تهتم ثونار وأطلقت تعويذتين بتهورٍ كبير غير مبالية إن كادت إحداهما تصيب جلنار بشدةٍ لتنطلق بعيدًا.

 "لا تتدخلي في قتالي!"

أمرت بصرامةٍ دون النظر لجلنار مسببة تفاجؤ الأخيرة.

كلما طال القتال ازداد غضب ثونار، لا تعرف مما شُكل المخلوق أمامها، لكنها تعرف شيئًا واحدًا… إنها ساحرة قوية، قوية جدًا وليست في حاجةٍ لمساعدة أحدهم، يمكنها إنهاء الأمر وحدها ولا أحد يمكنه هزيمتها في مجالها الخاص.

لم تكن جلنار مدركةً تمامًا سبب مشاعر الغضب التي تشعر بها ثونار، كل ما أرادته هو أن ينتهي التدريب بأقل الخسائر الممكنة وكان من الواضح أن النظام سمح لجلنار بالمساعدة لأنه من الصعب على واحدةٍ فقط منهما هزيمة الكاهن.

بدت المنوارات بين الاثنين بلا نهاية، بينما بدا نزال هارليك على مشارف النهاية؛ فقد بدأ خصمه يفقد قوته وما هي إلا مسألة وقتٍ حتى ينهي هارليك مهمته.

راقبت جلنار بكثب الاثنين بقلق، خاصةً ثونار؛ فالآن فهمت أن الأمر لا يدور حول من أقوى من الآخر، بل من أذكى في تقدير الموقف…

لكنها قررت عدم التدخل إن كانت هذه رغبة ثونار إلا إذا تطلب الأمر تدخلًا، ولم يكن هذا طويلًا؛ فقد تمكنت مجسات الكاهن من تثبيت جسد ثونار بقوةٍ قبل أن يمسك بعصاه، وكاد ينطق بتعويذته لتدمير جسدها.

اتسعت عينا جلنار وركضت بسرعة نحوهما، كانت ثونار مؤمنة بقدرتها على تخليص نفسها، ولكن ما أن رأت دائرة السحر تتشكل أمام عينها أدركت أنها فشلت في حساب الأمر بشكلٍ صحيح.

"هذا سيكون مؤلمًا" قالت من بين أسنانها، وعندما اندفعت التعويذة نحوها تحرر جسدها بسرعة نتيجة لقطع جلنار المجسات التي ثبتتها، وفي الثانية الأخيرة توقف كل شيءٍ وكأن الزمن تباطأ لوهلة.

عين الكاهن الثالثة كان بإمكنها رؤية حركة جلنار السريعة، ولكن جسده لم يكن قادرًا على مواكبة سرعتها التي أبطأت كل شيءٍ آخر.

في جزءٍ من الثانية -لم تدركه ثونار- وقفت جلنار أمام جسدها، ورفعت يدها وقد ظهرت علامة التوبازيوس بمنتصف رأسها لتمتص الدائرة السحرية بالكامل قبل أن تصيب ثونار.

لم يكن بإمكان السحرة امتصاص سحر الخصم، إما تحطيمه أو تفاديه!

التفت جلنار تنظر لثونار بعدسةٍ صفراء وأمرت بنبرةٍ نهائية: "لن أسمح بموت فرساني هنا، سأثبته واقضي أنتِ عليه".

ولسببٍ لم تفهمه ثونار وجدت نفسها منصاعةً للأمر دون جدال.

وضعت جلنار تركيزها لتخرج مئات الجذور من تحت الأرض تثبت بها الكاهن مكانه وتلتف حول مجساته لتركض ثونار نحوه وتحلق في منتصف طريقها.

وجه الكاهن عصاه نحو ثونار رغم الجذور التي التفت حول ذراعه تمنعه.

تمتمت ثونار بتعويذتها قبل أن يبدأ صوتها في العلو، ربما انصاعت لأمر جلنار، لكنها لن تقبل بالخروج من هنا بعرض قوةٍ أقل مما قدمت جلنار…

لذلك دفعت نفسها للحافة وهي تتلو التعويذة بأقوى ما تملك:

"سيفاس ثانور، سيفاس ثاندور، سيفاس كيماستوس، فلتمنحني قوة الساحرة الأقدم هوليا أموذا!"

كرةٌ ضخمة من الصواعق كانت تتشكل فوق ثونار وقد أضاءت المكان بالكامل دافعةً كل من حولها لإغلاق أعينهم لتجنب التعرض للضوء.

الطاقة السحرية سُحبت من المكان بالكامل تجاه ثونار مشكلةً عاصفة قوية قبل أن توجه كامل هجومها للكاهن الذي ثُبت في مكانه بسبب جلنار يحدق في الموت متجهًا نحوه.

ما أن ضربته قوة ثونار صوت رعد ضرب المكان مسببًا صممًا مؤقتًا لكلٍ من جلنار وهارليك -الذي أنهى مهمته للتو- ليغلق أذنه بألم.

هدأ المكان وبدا وكأن الصمت سيطر على الجميع كنهايةٍ للمعركة.

وفي منتصف المكان حلقت ثونار تنظر حيث بات خصمها جثةً هامدة ومتفحمة، حدقت جلنار بها بصدمة.

طوقٌ من الضوء التف حول رأسها كالتاج الضخم وقد تطايرت خصلات شعرها الصهباء حولها، وظهر حول يديها طوقان من الضوء مرتبطان بسلاسل اخترقت الأرض لم تفهم جلنار من أين ظهرت، والكثير من الرموز ارتسمت حول ذراعيها ورقبتها ومقدمة رأسها، وعينها أضاءت بالكامل باللون الأبيض.

شيئًا فشيئًا بدأت قوتها تبهت حتى اختفت بالكامل وهبطت على قدميها بهدوءٍ أمام جثة خصمها وعينها ثابتة على عنصرٍ واحد.

التقطت ثونار الحجر اللامع قبل أن تلتفت حيث جلنار وترفع يدها صائحةً بحماس: "لقد حصلت عليه!".

تنهيدة راحة تركت صدر جلنار ما أن لاحظت عودة شخصية ثونار الطبيعية. "ما كان هذا للتو؟" التفتت الاثنتان نحو هارليك الذي عاد لطبيعته وقد وجد بقايا قميصه الذي تمزق يلفه حول جسده.

"أوه! لقد قضيت على خصمك!" هتفت ثونار وهي تتفقد جثة العملاق الذي تدمرت جمجمته تمامًا. "ماذا حدث لكِ للتو؟ لقد انفجرتِ وأصبحت مضيئةً وكان هناك حلقة حول رأسك، وكنتِ مرعبة، ولكن مذهلة! أيمكنك صنع ملابس لي؟ أشعر ببعض البرد والإحراج، أوه! أرأيتم كيف قضيت عليه؟ لقد تمكنت من التحكم بجسدي بطريقةٍ سلسلة عندما قاتلته و..."

صمت عندما لاحظ نظرات الفتاتين نحوه تكاد تنفجر ضحكًا، نظر لنفسه ليلحظ فستانًا أزرق اللون يغطيه لتتسع عيناه وتنفجر وجنتيه احمرارًا بفعل الإحراج.

"ثـــــــونـــــــــار!" صرخ بغضبٍ لتنفجر الأخيرة ضحكًا وتتنهد جلنار وقد يئست تمامًا من أفعالها. حدقت بثونار التي ظلت تضحك وهارليك لم يتوقف لثانيةٍ عن الصراخ في وجهها لتتوقف عن إغاظته وفكرةٌ واحدة تجول في بالها…

ثونار العادية لطيفة بالرغم شخصيتها العنيدة، ولكن حدة الموقف أجبرت شخصيةً أخرى لها على الظهور، شخصية لم تعجب جلنار كثيرًا، يمكنها نوعًا ما تفهم تعطشها لإثبات قوتها؛ فمعلوماتها القليلة حول حياة ثونار تمكنها من تفسير الأمر، ولكن لا يجب على شيءٍ كهذا إعاقة الفريق.

أجفلت عندما فرقعت ثونار أصابعها أمام وجهها"أين ذهب عقلك؟". بدلت عينها بينهما وقد هدأ الاثنان بعد أن قررت ثونار استحضار ملابس تليق أكثر بهارليك.

"ليس بعيدًا، كنت أفكر بكم أن هذا التدريب كان جيدًا" ابتسمت ثونار وقد ألقت بالجوهرة في الهواء وعادت التقطاها مضيفة: "ومثمرًا!"

"أرأيتِ كيف قاتلت ذاك العملاق؟ لقد شعرت بالقوة تمر من خلال جسدي بالكامل وأصبحت مدركًا كيف أجعل جسدي أكثر صلابة وشدة!" صاح هارليك جاذبًا قميص جلنار ليجذب انتباهها.

ابتسمت وعبثت بشعره قائلةً بحماس تجاريه: "لقد كنت مذهلًا، هارليك! كان من الرائع مشاهدتك تقاتل كعملاق!" أومأ وبدأ يتحدث بسرعةٍ وحماس عن قتاله وجلنار تستمع له.

ظلت ثونار واقفةً تنظر للجوهرة التي حصلت عليها قبل أن ترفع عينها نحو جلنار مدركة تمامًا ما كانت جلنار تفكر به منذ قليل، زمت شفتيها وقد تسلل شعور الانزعاج داخلها شيئًا فشيئًا، لكنها قررت تجاهل الأمر مؤقتًا والتظاهر بالحمق.

"عليكما تفقد كتب تعليماتكما" قالت جلنار جاذبة انتباه كلٍ منهما لكتابه.

هارليك تم ذكر انتهاء مهمته بنجاح وتمكنه من اتقان مستوى جديد من مهارات العمالقة المنسية، وهي تصلب الجسد وتضخمه. "لقد مُنحت جائزةً بسبب حمايتك الشجرة بنجاح" قالت جلنار بتحفيزٍ ليومئ هارليك ويظهر قطعةً ذهبية صغيرة قائلًا: "لقد ظهرت في يدي عندما عاد جسدي لحجمه الطبيعي".

نظرت لها ثونار وقالت: "إنها تميمة أرواح! تمد صاحبها بالقوة وتحمي جسده، كما أنها تحفز أي قوة شفاءٍ تتفاعل مع جسدك لتؤثر عليك بشكلٍ أفضل، عليك تعليقها حول رقبتك أو حول معصم يدك، إنها مفيدة جدًا".

نظر الاثنان حيث كتاب ثونار الذي أظهر أيضًا إتمام مهامها. "تمكن المتدرب من اتخاذ هيئة ساحرة الشمال هوليا أبوذا؟" نطق كلٌ من هارليك وجلنار في نفس الوقت لتزفر ثونار وتقول: "إنها ساحرةٌ قديمة، وفي الواقع لم نكن كساحراتٍ متأكدين إن كان وجودها حقيقةً أم أسطورة، ليس من المنطقي وجود ساحرةٍ تستخدم تعاويذ السحر الأسود لتولد النور، ولكن..." صمتت لثوانٍ ونظرت لجلنار.

"عندما تمكنتِ من استخدام إحدى تعويذتها -والتي لا أعرف كيف عرفتِ بها- أدركت أن الأمر أكبر من مجرد أسطورةٍ أو حكاية، إن تمكنتِ من استخدام تعويذةٍ ظنناها أسطورة فيمكنني محاولة استدعاء هيئتها، لم أكن متأكدةً من نجاح الأمر، ولكنه نجح"

"أتريدن القول إنك راهنتِ في ضربتك الأخيرة على احتمال؟" صاح هارليك بعدم تصديقٍ لتبتسم ثونار وتومئ ببساطة ليتمتم: "ستقتلين نفسكِ يومًا".

"حسنًا، كلاكما اختارا الخروج وعدم قبول مهمةٍ أخرى حتى لا أشوي عظامكما" هددت جلنار ليومئ الاثنان بانصياعٍ ما أن ظهر السؤال فوق كتابهما، فُتحت بوابة لكلٍ منهما ليخرجا منها.

وقفت جلنار لدقيقةٍ مستمتعة بالصمت الذي جال في المكان وهي تنظر للفوضى التي سببوها قبل أن توافق على الخروج وتفتح أمامها بوابة قادتها مباشرة لغرفتها.

....

مدد جوزفين جسده بعد انتهاءه من تدريباته هذا الصباح قبل أن يستلقي بجسده فوق العشب الأخضر مستمتعًا بدفء أشعة الشمس.

كانت الأفكار تتزاحم داخل رأسه بلا توقف، هذه الفترة لا يتمكن حقًا من السيطرة عليها حتى يندمج في تدريباته، كان يأمل أن أسبوع الاكاديمية ذاك سيساعده على تشتيت عقله قليلًا، ولحسن حظه أن مساء اليوم هو الموعد المحدد لذهابهم.

ابتسم عندما تذكر محاولات جلنار في ومواسته والحديث معه وفكر أن عليه شكرها بالطريقة المناسبة عندما يراها مجددًا، فمؤخرًا أصبح من الصعب مقابلتها في المنزل بسبب خروجها وتدربها حيث يعلم الإله.

تقلصت ابتسامته وهو يتذكر مواساة شخصٍ آخر أصهب الشعر، زفر بانزعاج عندما عادت مشاعر الارتباك تسيطر عليه. "ما خطبك بحق الله؟ كل ما فعلته هو التفكير بها!" صاح متذمرًا وقد ضرب يسار صدره بغيظ.

نهض جالسًا ما أن تسللت لأذنه رنة لنتبيهه بمكالمةٍ صادرة، ضغط على خرز سواره ليصدر صوت دايلن حارسة ملك المتنكرين ملقيةً التحية على جوزفين. "ما الخطب دايلن؟ هل اشتقت إلي بهذه السرعة؟" مازح ضاحكًا لتقابله بنبرةٍ أكثر جدية قائلة: "لم أكن متأكدةً بشأن إجراء هذه المكالمة، ولكن أظن أن معرفتك بالأمر مبكرًا سيكون أفضل".

عقدة تشكلت بين حاجبيه ليقول: "هاتي ما عندك". أخذت نفسًا في المقابل قبل أن تقول: "قد يتم دعوتكم جميعًا لأرضنا واستضافتكم في قصرٍ ملكي".

تجمد جسد جوزفين وشعر وكأن أطرافه باردةٌ كالجليد، صمته كان إشارةً لدايلن لتكمل ما عندها مفصحةً عن السبب: "تذكر المكان الذي فُتحت به البوابة سابقًا؟ بدأت تظهر بوادر لظهور بوابةٍ مماثلة على أراضي عائلة أركستروي، حقل الطاقة ذاته بدأ يتجمع؛ لذلك تم بعث مكتوبٍ لجلالة الأميرة، وإن تمت الموافقة قريبًا قد تُرسل لكم دعوةٌ رسمية للمجيء والتعامل مع الأمر".

ابتلع جوزفين بهدوءٍ وبدأ يشعر بذكريات حارب لحجبها عن ذاكرته تعود مجددًا. "حسنًا! شكرًا لإخطاري، دايلن. حاولي التقليل من تراسلنا؛ فأنتِ حارسة الملك الشخصية، آخر ما أريده هو اتهامك بالخيانة"

لم يرق لها ما قاله لترد منزعجة: "جلالتك أيضًا من العائلة الملكية، لن استثـ…". توقفت عندما قاطعها جوزفين مناديًا باسمها "لن أتناقش معكِ في هذا، إن أردت مساعدتي فحافظي على سلامتك الشخصية، لن أخسر شخصًا آخر داخل القصر".

سكتت لوهلة قبل أن تتنهد قائلة: "كما تريد، جلالتك، أتمنى لك نهارًا سعيدًا" وبهذا أنهت المكالمة.

شعر جوزفين بالذنب، فلم تبدُ له راضيةً تمامًا، لكن لا يمكنه تعريضها للخطر لينجو هو!

أغمض عينيه لوهلةٍ لتتدافع العديد من الصور داخل رأسه وصوتٌ واحد لا يفارق خياله منذ أن كان طفلًا، صوت توسلٍ له ليمسك به ولينقذ حياته، ولكنه فشل في ذلك.

فتح عينه بسرعةٍ ما أن اندفعت صورة شقيقه الأكبر ذي الخمسة عشر عامًا ملقى من فوق الجبل وقد تشكلت بقعةٌ من الدماء حول جسده.

نهض بسرعةٍ من مكانه وقد قرر أخذ حمام بارد لإزاحة جميع تلك الأخبار والأفكار المزعجة بعيدًا، ولكن لسببٍ ما وجد قدمه منقادة نحو غرفة ثونار، لا يعلم لما بالضبط، ولكنه أراد حقًا تشتيت انتباهه.

طرق بابها مرة، ثم مرتين، ولكن أجابه الصمت، كان يعلم أن عليه الاستسلام والرحيل، لكنه كان في حاجةٍ ماسة لشيءٍ يشتت ذهنه.

زاد صوت طرقاته ولكن لا رد، لا يتذكر أنه لمح ثونار منذ الصباح؛ لذلك نادى قائلًا: "إنه أنا جوزفين، سأدخل". مجددًا لا رد؛ لذلك صاح محذرًا: "لقد استأذنت في الدخول!". كان قراره أن يلقي نظرةً سريعة دون الدخول، وبالفعل فتح الباب بحذرٍ خائفًا من مواجهة لكمةٍ أو ضربة سيئة في منتصف وجهه.

ولكن لا شيء من هذا واجهه، بعيدًا عن فوضوية الغرفة فقد احتوت على كل شيءٍ عدا صاحبتها.

أغلق باب الغرفة مجددًا وفكر لثوانٍ أين يمكن أن تكون، قفز في باله مكان آخر يمكن أن تقصده ثونار داخل هذا المنزل، أخذته قدمه نحو غرفة جلنار وتحول تركيزه من أفكاره إلى فضوله تجاه مكان ثونار بالضبط.

كرر فعلته بطرق باب الغرفة أكثر من مرةٍ ولكن لا إجابة، حذر قبل أن يفتح الباب ينظر لداخل.

حدق يوجين برأس جوزفين الذي اقتحم الغرفة ليصيح بوقاحة: "أي نوع من الرجال يسمح لنفسه بفتح غرفة فتاة وهي غير موجودة؟". تنهد جوزفين، وقبل أن يخرج جذب انتباهه حزام ثونار الجلدي الذي تركته خلفها فوق سرير جلنار.

توقف لثوانٍ قبل أن يدلف الغرفة متجهًا للحزام يتفقده. "ماذا تفعل يا رجل؟ لا يوجد أحد هنا، اذهب للخارج، هيا!" هتف يوجين وهو يحرك يده وكأنه يُخيف قطًا ما.

"لقد كانت هنا!" تمتم باستغرابٍ قبل أن تتفقد عينه الغرفة، اتسعت عينا يوجين عندما لاحظ ملاحظة جوزفين الكتاب فوق المكتب. "تبًا، كان علي إخفاءه" بصق وهو يصفع رأسه.

"ما هذا بحق الإله؟" اتجه نحو وقبل أن يسحبه أمسك يوجين بالكتاب وسحبه بعيدًا ليصرخ جوزفين بفزع ممسكًا بصدره، التفت ينظر حوله قبل أن ينادي: "ثونار! هذا ليس ظريفًا!". حدق به يوجين بمللٍ قبل أن يتنهد بسبب ذكاء الأمير المنعدم.

نظر للكتاب مجددًا بحذرٍ قبل أن يمد يده بسرعةٍ في محاولة التقاطه، ولكن نفد صبر يوجين ليمسك بالكتاب بسرعةٍ صافعًا رأس جوزفين به ويصيح: "توقف عن محاولة لمسه، أيها الغبي!".

اتسعت عينا جوزفين ممسكًا بمكان الضربة وقد بدأ الرعب يتسلل له عندما بدأ يتذكر شيئًا ضاع عن باله…

هناك شبحٌ يحوم حول جلنار!

"هل هناك أحدٌ هنا؟" سأل بتوجسٍ بينما ظل يوجين ينظر لوجهه وقد فقد الأمل تمامًا. "لمَ تركتني هنا بحق الله، جلنار؟" تذمر قبل أن يمسك بالكتاب ويخفيه داخل أحد الأدراج.

اتسعت عينا جوزفين وهو يحدق بالكتاب الذي حلق ودخل الدرج الذي فُتح وحده قبل أن يُغلق مجددًا، نظر حوله قبل أن يحاول استجماع شجاعته ويقول: "أهذه محاولةٌ للتواصل معي؟ لتُعلمني بحضورك في المكان؟". رفع يوجين زاوية شفتيه وهو ينظر لجوزفين كأنه أكبر أحمق على وجه البشرية. "أي كائنٍ غير عاقلٍ تظنني؟ كان علي اختيارك لإخافتك عوضًا عن زوندي" تمتم في النهاية وتنهد بملل.

التفت الاثنان عندما تسلل صوت واندر التي تدعوهم لتناول الغداء وتلك كانت المرة الخامسة، ولكن لأن الباب كان مغلقًا لم يتمكن يوجين من سماعها سابقًا.

"زوندي، أرأيت إحدى الفتاتين؟" صاحت واندر ليصلها صوت زوندي الذي كان يهبط السلالم. "لا، لم أرهما منذ هذا الصباح" اتسعت عينا يوجين بخوفٍ وكل ما كان يدعو به في هذه اللحظة ألا تندفع واندر باحثةً عنهما وهارليك.

"لم أرهما أيضًا" تمتم جوزفين قبل أن ينظر حوله ويقول بطريقةٍ بطيئة تثير غيظ يوجين: "أيها الكيان الخفي، أتعلم أين هي مالكتك؟". ظل يوجين فاغرًا فاهه بدهشةٍ قبل أن يصيح: "مالكتي؟ أتظنني عبد في سوق العبيد، أيها الأبله ناقص العقل والتفكير؟ ما خطبك يا رجل؟ أتم تبديل عقلك بزوجٍ من الأحذية؟".

تحرك يوجين نحو طاولة جلنار ممسكًا بأول ما وقعت عينه عليه وصاح وهو يلقيه في وجه جوزفين: "تريد تواصل؟ هذا هو تواصلي!".

اتسعت عينا جوزفين وانحنى بسرعةٍ متفاديًا القلم الذي انطلق نحوه. "ما اللعنة؟" شتم بصدمةٍ قبل أن يمسك بالقلم ويتمتم: "قلم! ما الرسالة التي تحاول إيصالها؟". صفع يوجين مقدمة رأسه وقد فقد الأمل تمامًا بالشاب أمامه.

"جلــــنــار!" التفت الاثنان لصوت واندر القريب من السُلم لتتسع عينا يوجين وهو يرى جوزفين يتجه نحو الباب، ومن الواضح أنه ينوي الرد على واندر بقوله إنهما ليستا هنا.

ما أن وقف جوزفين أمام الباب ممسكًا مقبضه سارع يوجين ودفع باب الغرفة بقوةٍ ليغلقه قبل أن ينطق جوزفين حرفًا، سحب القلم من بين يده وفتش الغرفة بعينه بسرعةٍ وسط فزع جوزفين الذي تنتقل عينيه بين الباب والقلم.

اتجه يوجين نحو حقيبة جلنار فوق السرير مفرغًا محتوياتها قبل أن يمسك أحد الدفاتر ويكتب بخطٍ عريض وكبير على صفحته ويمسك بالدفتر يضعه أمام وجه جوزفين متسع العينين.

ابتلع الأخير وحاول تمالك نفسه وقرأ المكتوب بحذر: "لا يجب على أحدٍ ملاحظة اختفاء جلنار وثونار وهارليك".

عقد حاجبه وسأل: "لمَ؟ أين هم؟ أهارليك أيضًا معهم؟". زفر يوجين وقلب الصفحة يكتب عليها بسرعة قبل أن يرفع الدفتر أمام وجهه مجددًا: "ليس من شأنك، لا تتدخل، لا تسأل وإلا لاحقت روحي جسدك ولعنتك".

تجمد بمكانه وشعر بجسده يصبح باردًا ويريد لعن اللحظة التي قرر فيها الذهاب لثونار، سواء كانت تقصد أم لا، لم تسبب له سوى المتاعب.

"افعل شيئًا ما!" صاح يوجين قبل أن يكتب بالدفتر: "لا تدع أحدهم يعرف، حاول المماطلة قليلًا". قرأها جوزفين ليحك رأسه صائحًا: "ماذا علي أن أفعل؟". نظر نحوه يوجين بعدم تصديقٍ وصاح في المقابل: "ما أدراني؟ فكر في شيءٍ ما، أيها العبقري!".

صوت خطوات واندر فوق السلالم أفزعت الاثنين ليفتح جوزفين باب الغرفة بسرعةٍ صائحًا: "إنهما قادمتان، واندر!". توقفت صوت خطوات واندر وأراد يوجين صفع جوزفين لمرةٍ واحدة.

نظر جوزفين للدفتر الذي كتب به يوجين بخطٍ كبير: "إنهما قادمتين!".

همس قائلًا: "ماذا؟ جد أنت شيئًا أفضل!".

"ماذا تفعلون عندكم بحق الإله؟" صاحت واندر ليرتبك جوزفين "نحن… نـ... نلعب؟" بدا كسؤالٍ أكثر من إجابة ليصدم يوجين رأسه بالجدار يكاد يبكي من غباء صاحبه هنا.

سكتت واندر لوهلةٍ قبل أن تقول: "توقفوا عن العبث وانزلوا حالًا، سيبرد الطعام" قبل أن تنسحب خطواتها مجددًا حيث المطبخ.

تنهد الرجلان قبل أن يغلق جوزفين الباب بسرعةٍ ويتكئ عليه بظهره وقد تنفس الصعداء.

"نلعب؟" صاح يوجين قبل أن يكتبها على الدفتر ويلقيه في وجه جوزفين ليلتقطه الآخر قائلًا: "لا يمكنني التصرف بسرعةٍ تحت الضغط، توقف عن إغاظتي".

أجفل الاثنان عندما طُرق باب الغرفة بقوة، توقف الطرق ليحدق يوجين بجوزفين الذي نظر للباب قبل أن يهمس: "تبًا، ماذا أفعل؟".

عاد الطرق مجددًا ليتوتر الاثنان ويرتبكا، تحرك يوجين مقتحمًا الجدار ليعرف هوية الطارق وأراد بشدةٍ اللعن عندما رأى أوكتيفيان أمامه. "لمَ بحق الإله أنت من بين الجميع؟" صاح متذمرًا قبل أن يعيد رأسه للغرفة مجددًا.

اتسعت عيناه عندما لاحظ البوابتين المفتوحتين وكلًا من ثونار وهارليك يخرج منها، بينما يحدق جوزفين بهما بصدمةٍ وبالبوابتين اللتين اختفتا. "ماذا بحق اللـ…" قاطعه طرق الباب مجددًا ليصرخ يوجين وقد فقد أعصابه: "أين رأس المصائب بحق الخالق؟".

"كيف؟ من أين؟ ماذا يحدث؟" صاح جوزفين، ولكنه أُخرس عندما فُتحت البوابة الثالثة أمامه مباشرةً لتخطو جلنار خارجها.

عقدت حاجبها باستغرابٍ تتبادل النظرات مع الرجل الجالس عند الباب يحدق بها بصدمة "جوزفين!". نهض واقفًا على قدميه وابتعد عنها قائلًا: "هذا جنون، ولكن لديك مشكلةٌ أكبر".

جذب انتباه ثلاثتهم طرق الباب وصوت أوكتيفيان هذه المرة اقتحم المكان: "أعرف أنك في الداخل، أيها المدلل، افتح الباب قبل أن أحطمه فوق رأسك". اتسعت عينا جوزفين ونظر لجلنار بفزع لتنظر نحوهم وتقول: "تصرفوا بطبيعية" وتتجه ناحية الباب لتفتحه.

"لا أظن التصرف بطبيعة سيجدي" علق يوجين وهو يحدق بمنظر الفتاتين المغطيتين بالدماء المقززة وبعض بقايا أشياء لا يريد التفكير حتى بماهيتها.

"مرحبًا، أوكتيفان!" ابتسمت جلنار بطبيعية زائدة عن اللزوم كما ابتسم الثلاثي خلفها، تكاد البراءة تقفز من عين كل واحدٍ فيهم.

"بحق الخالق ماذا حدث؟" تمتم وهو ينظر لملابسها التي ما زالت كما هي منذ الصباح، لكن أكثر قذارة والدماء تغطيها بالكامل، ضيق عينيه عندما التقط ثونار بذات الهيئة وأحصى الموجودين في الداخل. لم يبدُ له هذا المزيج جيدًا أبدًا، فمصيبة ما تحدث.

"ماذا تقصد بماذا يحدث؟ كنا نتشارك الحديث" قالت جلنار قبل أن تسقط قطعة من الجلد المنزوع من أحد الأقزام من فوق كتفها على حذائها، راقب الاثنان القطعة التي سقطت بهدوءٍ قبل أن يعاود كلٌ منهما النظر للآخر.

"حسنًا، يبدو أنك لا تملك شيئًا لقوله، إلى اللقاء" كادت تغلق الباب مجددًا، ولكن طرف حذاءه الذي حشره بسرعةٍ بين الباب والجدار منعها من إغلاقه. "أي مصيبة تفعلونها، جلنار؟" صاح محاولًا فتح الباب لتفتحه وتنظر لوجه أوكتيفيان قائلة: "لمَ دائمًا تفكر بوجود مصيبة؟". كتف ذراعيه قائلًا: "ربما لأن هناك اثنتان أمامي مغطيتان بالدماء وأحشاء يعلم الإله لمن هي".

دحرجت جلنار عينها وقالت: "ذهبت وثونار للصيد في الغابة لنتدرب على سرعتنا وعدنا للتو، وجاء جوزفين وهارليك للحديث معنا". حدق بعينها وقال بكل بساطة: "عليكِ حبك حكايتك أكثر، طفل بإمكانه إلقاء كذبةٍ أفضل من هذه، إن كنتم تتحدثون لمَ لم تجب إحداكما واندر؟ ولمَ أجاب جوزفين قائلًا إنكم... تلعبون؟".

التفت الثلاثة ناحية جوزفين الذي بدل عينه بينهم يفتح فمه ويغلقه كالسمكة قبل أن يخرج صوته بصعوبة قائلًا: "أنا أطلق على الحديث لعبة!".

تنهد كلٌ من ثونار وهارليك ويوجين، وحاولت جلنار كبح نفسها بصعوبة. "أتعلمين؟ لا أهتم، طالما أنها ليست مصيبة ستقع على رأسي لاحقًا فافعلوا ما تريدون". تغيرت تعابير الجميع تقريبًا؛ فهذه ليست عادة أوكتيفيان، ولكن يبدو أنه بالفعل مل من أفعالهم.

"خذا حمامًا، رائحتكما مقرفة، وانزلا للغداء، وبعدها نحن في حاجةٍ للحديث عن تدريب الأكاديمية قبل أن نذهب هذا المساء" ألقى أوامره كالعادة لتومئ جلنار دون عناد هذه المرة قائلة: "لك ما تريد، قبطان". حدق بها لثوانٍ قبل أن يهز رأسه بيأسٍ ويتجه للاسفل.

ما أن أغلقت جلنار الباب حتى أخرج كلٌ منهم نفسًا كان قد حبسه بتوتر، نظر الثلاثة نحو جوزفين قائلين في ذات الوقت: "نلعب؟".

نظر نحوهم وابتلع قبل أن يهتف بغيظ: " لقد كانت واندر تنادي وتسأل عنكما ولم تُجب إحداكما، ماذا كان علي أن أفعل؟ الرحمة!".

زم هارليك شفتيه لوهلة قبل أن يقول: "ألم يكن بإمكانك أخذ هيئة واحدةٍ منهما وجعل واندر تراك لتتأكد من وجودهما في الغرفة؟ أو حتى الحديث بصوت إحداهما؟". حدق جوزفين بهارليك لثوانٍ قبل أن يصرخ: "لا يمكنني التصرف تحت الضغط!".

تلقى صفعةً على مؤخرة رأسه من ثونار قبل أن تقول: "الطفل بإمكانه التفكير أفضل منك، أيها الأبله". التفت نحوها وقال بغضب: "لمَ الذنب ذنبي؟ أنتم من اختفيتم في المقام الأول، ولمَ يصفعني الجميع اليوم؟ أولًا شبح ما والآن أنتِ! ماذا تظونني بحق الإله؟". ارتفع حاجب ثونار قبل أن تصفعه مجددًا قائلةً بحدة:"لا تصرخ في وجهي!".

بدأ الاثنان الشجار لتتنهد جلنار وتنظر ليوجين الذي رفع كتفيه قائلًا: "كان علي الحراسة وكل ما أملكه هو هذا الأحمق". حركت رأسها بيأس وتمتمت: "لقد قمت بأفضل ما تملك على أي حال".

"ألا ينوي أحدكم تفسير ظهور تلك البوابات في منتصف الغرفة وأين كان ثلاثتكم؟"

دلكت جلنار رأسها وكل ما كانت تريده هو حمامٌ بارد وبعض الراحة؛ فقد دخلت للتدريب مرتين، والمرة الأخيرة كانت متعبة ولم تحصل على أي علاجٍ جيد حتى بعد تنفيذ مهامها.

نظر الجميع نحوها في انتظار تفسيرٍ قد تقدمه لجوزفين، انتقلت عينها لهارليك قبل أن تقول: "سيخبرك هارليك بكل شيء، ولكن سيبقى الأمر بيننا حاليًا". اتسعت عينا هارليك بحماسٍ شديد ولم تكن جلنار لتجد راويًا أفضل منه عوضًا عنها.

لم يترك هارليك فرصةً لجوزفين للرد على جلنار فأخذ يحاول إخبار جوزفين كل شيءٍ دفعة واحدة، في حين أن جلنار قد أخذت ثوبًا وقررت أخذ حمامٍ سريع لحين انتهاء هارليك من إخبار جوزفين بكل ما لديه، فقد شاهدهم يخرجون من البوابة وإنكار الأمر لا فائدة ترجى منه.

أنهت حمامها وخرجت، وكما يبدو أن ثونار أيضًا قد اتجهت مسبقًا لغرفتها لأخذ حمامٍ قبل النزول.

اتجهت عينها حيث جوزفين الجالس فوق كرسي المكتب وقد ألقى برأسه للخلف واضعًا دفترها فوق وجهه وفي الجهة الأخرى يوجين يضرب رأسه بالجدار يكاد يبكي، وما زال هارليك لم يتوقف عن الحديث حتى الآن وهو يحكي ما حدث من كل الجهات الممكنة.

توقف عندما ربتت جلنار على كتفه وقالت :"لقد قمت بعمل جيد! لمَ لا تذهب لأخذ حمامك بسرعة قبل النزول لتناول الطعام؟". اتسعت عينه وقد تذكر للتو أن عليه تناول الغداء ليسرع خارج الغرفة متمتمًا: "ستقتلني واندر".

"إلهي! شكرًا، شكرًا لك، جلنار، شكرًا!" صاح جوزفين وقد أبعد الدفتر عن وجهه ودلك رأسه وقد أصابه الصداع.

"لم يتوقف حتى لالتقاط أنفاسه!" صاح يوجين باكيًا لتبتسم جلنار "إنه فقط متحمس". ارتفع حاجب يوجين وكرر: "متحمس! إنه آلة مدمرة!". حركت رأسها ونظرت لجوزفين الذي قال: "لقد تحدثت مع شبحك بالمناسبة، أظنه يعاني من صعوبةٍ في التواصل، ولكني تدبرت الأمر".

التفتت بسرعة ليوجين الذي حدق في جوزفين قبل أن ينطلق نحوه صائحًا: "لا يعاني من صعوبةٍ إلا أنت ورأسك الفارغ، أيها الأحمق!". توقفت جلنار أمامه بسرعة وقالت: "اهدأ قليلًا". التفتت لجوزفين بسرعة وقالت: "يبدو أنك أغضبته قليلًا". اتسعت عينا جوزفين ووقف على قدميه بسرعة "لم أقصد إهانة". دحرج يوجين عينيه والتفت يتجه للخارج قبل أن يفقد أعصابه تمامًا وبصق بغيظ: "في المرة القادمة أعدك بأن تكون ستائرك أنت لا زوندي" وعبر الباب للخارج.

ضحكت جلنار بخفة قبل أن تنظر لجوزفين الذي ظل يحدق بها، كان يفكر بإن كان عليه إخبارها بما قالت حارسة والده أم لا، لكنه حسم قراره بالتكتم -حاليًا- على الأمر، الدعوات الملكية تأخذ وقتًا للموافقة عليها بين الممالك، وإن كانت هناك نسبة صغيرة لتسرب الأمر وتوريط دايلن فلن يخاطر بها.

"ماذا؟" قاطعت جلنار أفكاره عندما لاحظت إطالته في التحديق ليجفل بخفة ويقول ممازحًا: "لا شيء سوى أن كل ما يدور حولك غريبٌ كاللعنة".

ابتسمت ورفعت كتفيها باستسلام قائلة: "حاولت تعديل الأمر كثيرًا، ولكن يبدو أن علي الانقياد والاستسلام". ربت على كتفها مواسيًا وقال: "لابأس، هذا يعني أنك تناسبين المجموعة أكثر".

ضحكت واتجهت نحو باب غرفتها تنوي الخروج لتناول الغداء، لكنها توقفت عندما جذب انتباهها جوزفين قائلًا: "بالمناسبة". التفتت نحوه بنظرة تساؤل ليقول: "شكرًا لمواساتي سابقًا، لا أحب أن تتم مواساتي كثيرًا، ولكن اهتمامك حقًا عنى لي الكثير". ابتسمت في المقابل بسعادةٍ وأومأت مجيبة: "لا داعٍ للشكر، فعلت ما كنت ستفعله إن كنت في مكاني".

ابتسم واتجه نحو الباب متظاهرًا بالتواضع ليتفادى الشعور بالحرج بينهما "ماذا أفعل؟ أنا رجلٌ رائع، أظن أني لا أملك حلًا آخر...". فتح الباب وتابع جملته وهو يتجه للخارج: "تعرفين أين يمكنك إيجاد كتفي المريح إذا أردت" غمز في النهاية بينما أغلقت هي الباب بعد خروجها ضاحكة.

"لا أظنها في حاجةٍ لكتف مريح، لديها فراش ووسادة" أجفل جسده عندما ارتطمت كف الشخص خلفه بكتفه بقوةٍ ضاغطًا عليها وقد شعر جوزفين لوهلةٍ بأن عظامه تكاد تتفتت بين يد ممسكها.

"بالطبع، أخي، كما تريد بكل تأكيد" قال بسرعة وقد خرج صوته مختنقًا بالكاد واضحًا لشدة ألمه.

نظرت جلنار لأتريوس مكتفة ذراعيها وقد رفعت حاجبها ليدحرج عينه ويحرر كتف جوزفين قبل أن يربت على ظهره بقوةٍ مبالغ فيها "شكرًا لمراعتك، أيها الأمير الوسيم". حركت جلنار رأسها بيأسٍ وقد شعر جوزفين بأن روحه خرجت وعادت بين كل تربيتةٍ والأخرى.

"جوزفين، لمَ لا تسبقني للأسفل؟" قالت جلنار لينظر نحوها شاكرًا وينطلق بسرعةٍ نحو الأسفل وقد ذكر نفسه بشدةٍ بأن عليه الامتناع عن مغازلة جلنار تحت أي ظرف.

"هذا طفولي جدًا" قالت ليرفع حاجبًا ويقول: "لا أعرف بالضبط عما تتحدثين! لقد كنت أشارككما الحديث، أم أنه ممنوع؟". التفتت متجاهلةً جملته بالكامل وقالت: "الغيرة مشكلةٌ سيئة، سيد أتريوس".

أرادت التوجه للدرج، ولكنه منعها عندما اتكأ على الجدار وقال: "والتوهم مشكلة أكبر". التفتت تنظر نحوها هاتفة: "توهم؟ لقد كدت تحطم عظام الرجل!". زم شفتيه وتمتم: "حقًا؟ لم أكن أعلم أنه بهذا الضعف". أخذت نفسًا قبل أن تخرجه وتقول: "إن كنت تشعر بالغيرة اعترف بالأمر ولا تكن طفلًا". عقد حاجبيه وقد بدأ بعض الانزعاج يتسلل إليه.

"لمَ أنتِ مصرة؟ أم أنك تريدين مني بشدةٍ الشعور بالغيرة؟" شعرت بالذهول لطريقته في عكس الأمور وقلبها كلها لصالحه. "ولمَ قد أريد منك الشعور بالغيرة بحق الإله؟" ارتسمت ابتسامة ماكرة على ثغرة وابتعد عن الجدار متجهًا نحوها. "ربما لأنك تستمعين باهتمامي بك، ربما لأن فكرة تفكيري بك والقلق من الرجال حولك تعجبك كثيرًا!" مع كل كلمة ينطقها كان غيظها يزداد وتريد بشدةٍ صفع رأسه…

لكنها ذكرت نفسها بأن أتريوس يحب كثيرًا إغاظتها ومراقبة ردود أفعالها؛ لذلك عقدت ذراعيها ونظرت لعينيه بكل جرأةٍ وابتسامة وقد قلصت المسافة بينهما، بينما ينظر هو بابتسامته الخفيفة نحو الأسفل يحدق بوجهها.

"ألم أقل إنني أحبك، أتريوس؟" اهتزت ابتسامته لثوانٍ وشعر بقلبه يهتز مجددًا عند سماعه الكلمة نفسها، ولكنه ظل ثابتًا ولم ترَ منه سوى الاستمتاع الذي ارتسم على تعبيره لتكمل: "أنا امرأة! وإن أحبت امرأة استمتعت بالفعل بشعور الاهتمام ممن تحب، لست طفلةً لأنكر الأمر وأتهرب منه".

يدها وجدت طريقها لعنق قميصه لتمسك به تسحبه بخفةٍ هامسةً أمام وجهه: "ولكنك رجل يأبى الاعتراف بوقوع جدرانه وثباته أمام امرأة، شئت أم أبيت، أتريوس فلورمان… أنت واقعٌ لي وبشدة، وتكاد الغيرة تدفعك لهدم المنزل فوق رأس كل رجلٍ يقترب مني، أيها الأحمق… لذلك..." ارتسمت ابتسامةٌ جانبية وهي تراقب توقف أنفاسه وعينه التي لم تهتز لثوانٍ بعيدًا عن عينها، كسرت تواصلهما البصري لتتجه عينها نحو قميصه الذي تجعد نتيجة سحبها له.

ربتت على كتفه تعدل قميصه بهدوءٍ قبل أن تعيد عينها تنظر لعينه من بين أهدابها بهدوءٍ وتهمس: "انضج قليلًا واعترف بالأمر".

لا يعرف متى وكيف انتهى الأمر ووجد أتريوس نفسه واقفًا يحدق بالفراغ وقد تركته بالفعل منذ دقيقةٍ وهبطت السلالم متجهةً للأسفل، أخذ نفسًا قويًا قبل أن يخرجه بهدوء يحاول إستعادة تركيزه.

التفت نحو ثونار التي وقفت على الجهة المقابلة تراقبه بصمتٍ ليقول ببرود: "ماذا؟". نظرت بعيدًا، ولكنها قالت بسرعة: "اعترف بالأمر وحسب يا رجل، أحيانًا أشعر بنظراتك تحرقني حيةً كلما رأيتني أمضي وقتي معها". حدق بها بصمتٍ قبل أن يرفع أحد حاجبيه لتبتلع قائلة: "أو لا شيء، أتمنى لك يومًا سعيدًا" قبل أن تسحب خطواتها بسرعةٍ للأسفل.

لقد رأت الأهوال في حياتها، ولكن هالة هذا الرجل القاتلة حقًا لا تمزح.

ألقى برأسه للخلف مغمضًا عينيه قبل أن يتمتم: "تبًا، جلنار".

....

انقضت بقية النهار بسرعةٍ وقد اجتمعوا حول مائدة الغداء، وقد بدا وكأن وقتًا طويلًا مر على اجتماعهم حول مائدةٍ واحدة.

كانت الأحاديث تتناقل وبعض الطعام أيضًا كان يتناقل في كل مكانٍ وقد عاد ضجيجهم يملأ المائدة، كلٌ منهم يحاول أن يشارك في الحديث أو الشجار -عندما يبدأ واحد- ما عدا البعض ممن فضلوا الجلوس وتناول طعامهم بصمت.

كانت جلنار تشعر بالراحة عندما بدأت تتصرف بأريحية مجددًا حول كلٍ من أتريوس وواندر، كانت تشعر بالكثير من الذنب وعدم الراحة كلما قابلت أحدهما، وكأنها مدينة باعتذارٍ على تلصصها على ماضيهما، ولكن في النهاية لم يكن الأمر باختيارها.

بعد أن انتهى الجميع من تناول الطعام منعهم أوكتيفيان من المغادرة وبدأ شرح ما سيحدث في الأكاديمية، أسبوعٌ من التدريب، لن يعود أحدهم للمنزل إلا للضرورة، تم تجهيز كل شيءٍ في الأكاديمية للجميع ليكتفي كل واحدٍ بحقيبة صغيرة لما يحتاج من أدوات شخصية.

"سيشرف على تدريب كل واحدٍ مدربٌ خاص، كما أننا تعاونًا مع الأكاديمية سنخوض بعض القتالات مع طلبة الشرف، اعتبروه تدريبًا لهم ولنا في الوقت ذاته" قال أوكتيفيان مضيفًا لما قال في البداية.

"لا أفهم، لمَ علينا مقاتلة بعض الأطفال؟ لا يبدو هذا وقتًا مناسبًا للاهتمام بمستوى مدللي الأكاديمية" عارضت ثونار وبدت الغالبية متفقةً معها. "تذكيرًا لكم؛ أولئك الأطفال دفعونا لنعاني في المرة الأولى عندما أجرينا اختبارنا، كما أن تطوير أسلوب هؤلاء الأطفال مهم، في النهاية كل ما يحتاجونه هو التعلم!".

علق أغدراسيل غير متفقٍ مع تفكير ثونار ليرد جوزفين هذه المرة قائلًا: "ربما عانينا وقتها، ولكننا الآن بالتأكيد أفضل بكثير، لا أظن أن هناك سبيلٌ للمقارنة". نظر نحوه أوكتيفيان وأجاب: "حتى وإن أصبحنا أفضل، سابقًا كنا ما نزال فرسانًا وهم مجرد أطفال، ورغم ذلك تدبروا أمرهم وتمكنوا من إعاقتنا".

تبادل أغلبهم النظرات فيما بينهم ولم يبدُ الرضى على الجميع. "لا أفضل الاتفاق مع كلب الملك، ولكنه محق، أولئك الأقزام أقوياء بالفعل، ربما ليس جميعهم ولكن بعضهم مميز" أضاف أتريوس مسببًا ارتفاعًا طفيفًا في حاجبي أوكتيفيان وقد منع ابتسامته بصعوبةٍ من الظهور.

"أظن أنه لا بأس بذلك، أعني في النهاية أيًا يكن القتال الذي نخوضه فهو يصب في صالحنا، فالأكاديمية تحتوي على طلابٍ من مختلف الممالك تمامًا كمن نقاتل" شاركت جلنار رأيها بعقلانية في محاولةٍ لإقناع الطرف المعترض.

"ربما أنتم محقون" تمتم لافيان قبل أن يتنهد ويقول: "على أي حال، إنه أسبوع واحد، مبارزة بعض الأطفال لن تؤذي أحدًا". بدأ الغالبية بالاتفاق أو الموافقة على مضضٍ لئلا يتحول الأمر لمشكلةٍ لا داعي لها.

في النهاية تلخص اجتماعهم في نقطتين قالهما أوكتيفيان بوضوح: "لا تسببوا المشاكل، وليخرج كل واحدٍ من هذا الأسبوع مكتسبًا مهارةً جديدة واحدة على الأقل". وبهذا انصرف الجميع لغرفته ليحضر حقيبته ويتجه للأسفل.

"ماذا؟ أقررت تغيير رأيك والذهاب مع الجميع؟" سألت جلنار أتريوس الذي تسلق الدرج بجوارها لينظر نحوها باستغراب لتفسر: "ألم تقل صباحًا إنك لا تنوي المجيء؟". ارتفع حاجباه بإدراك قبل أن يبتسم ويقول: "لا أمانع إيساع أحدهم ضربًا باسم التدريبات، كل ما في الأمر أنني شعرت بالملل صباحًا؛ لذلك قررت العبث معك وإغضابك قليلًا".

توقفت مكانها ونظرت نحوه كـ (حقًا؟) لكنه ابتسم مستمتعًا بتعبيرها وتابع طريقة لغرفته بلا توقف. "إلهي، أتريوس!" صاحت لتقابلها ضحكاته.

"الرجل في مزاجٍ جيد حقًا" تمتم يوجين مكتفًا ذراعيه وهو يراقب ظهر أتريوس يبتعد قبل أن يختفي من أمامهما.

اتجهت لغرفتها وهي تتمتم منزعجة من تصرفاته، حضرت بعضًا من ملابس تدريبها المريحة ودست الكتاب والحجر أيضًا، ولم تقرر بعد ما إن كانت ستتمكن من استخدامه في الأكاديمية أم لا.

أنهى الجميع تحضيراته والتقوا في الأسفل، وكانت تلك المرة الأولى التي يتركون فيها المنزل جميعًا حتى واندر؛ فقد قررت الأكاديمية أيضًا طلبها لتشرف على الطاقم الذي سيعتني باحتياجات الفرسان الشخصية بدايةً من الطعام والشراب حتى تنظيف غرفهم وتنظيم جداولهم غير عالمين أن هذه المجموعة تأكل كل ما يوضع أمامهم وتنام كالثيران في أي مكانٍ يمكن النوم فيه.

اتجهت مركباتهم جميعًا حيث الأكاديمية، وبالرغم من أنها ليست المرة الأولى فقد كان من الصعب عدم الانبهار بالمكان في كل مرةٍ تراه.

كانت حدائق المكان منارةً بالكامل والحياة ما زالت تدب في أرجاء الأكاديمية وكأن الشمس لم تغرب، تحركت المجموعة تحت إشراف أحد الأساتذة في المكان، وفي كل مكانٍ كانت أعين الطلبة تتبعهم.

شرح مرشدهم نظام عمل الأكاديمية والدروس، حيث تنقسم لفترتين صباحية ومسائية وهذا يفسر وجود الكثير من الطلبة في الأرجاء.

ينقسم نظام الأكاديمية لمستويات، أعلاهم طلبة الشرف اللذين نازلوا الفرسان في آخر اختبار لهم، تليهم الطبقة الفضية، وفي النهاية الطبقة البرونزية، ويتم اختيار كل طالبٍ وتصنيفه حسب قدراته بعد سنةٍ واحدة في الأكاديمية ويتم اختبارهم بعدها نهاية كل شهر، ويتغير تصنيفهم حسب قدراتهم ومقدار تطورهم ومساهماتهم الأكاديمية.

وضح أماكن كل مبنى بدايةً بالمبنى الرئيسي الخاص بغرف المدرسين والمشرفين و المديرة، ثم غربًا كل من مبنى الدروس النظرية والتدريبات العملية، وعلى الجهة الأخرى شرقًا المبنى الذي يحتوي على مَهاجع الطلبة وقاعات الطعام ومهاجع الطبقة العاملة من المنظفين والطباخين والخدم منفصلة عن بعضها.

"تم تجهيز غرفكم في مبنى الطلبة في الطابق الخامس، الطابق بالكامل مغلقٌ ولا يسمح بالدخول إلا للأشخاص المصرح لهم الذين يؤخذ مسحٌ ضوئي لوجوههم وبصماتهم" وضح المرشد وفي النهاية شرح عن المبنى الأخير خلف المبنى الرئيسي حيث تقام المباريات والنزلات بنهاية كل شهر، وهناك الكثير من صالات النزال المغلقة والمفتوحة والمرقمة بعناية.

كانت جلنار متعبةً كثيرًا لمقابلة أي أحد آخر، لذلك عفت نفسها من سماع الكثير من التعليمات التي لا حاجة لها من وجهة نظرها؛ فهي قد ناقشت كل ما تحتاج لمعرفته مع الأميرة…

لذلك اعتذرت من الجميع وطلبت أن تتوجه لغرفتها أولًا.

لم تكن الوحيدة فكما توقعت لم يكن أتريوس معجبًا كثير بدور السائح والمرشد؛ لذلك دون إضافة التفت خلف جلنار وتحرك نحو المَهاجع.

حدق المرشد به بتفاجؤ وكاد يوقفه لولا يد أوكتيفيان التي حطت على كتفه وقد حرك رأسه للجانبين قائلًا: "لا بأس، اتركه يفعل ما يريد" وبالرغم من انزعاج أوكتيفيان نفسه من أفعال أتريوس فقد قرر عدم افتعال شجارٍ وأعين الطلبة تراقبهم.

أبطأت جلنار من خطواتها ونظرت ليوجين بطرف عينها تنتظر منه أن يتبعها، لكنه صاح وهو يلوح: "تصبحين على خير، سأتفقد المكان بالكامل؛ فهذه فرصة لا تعوض خارج ذلك المنزل الممل!".

دحرجت عينها وتابعت السير نحو المهجع وقد تركته يفعل ما يريد، لن يضيع شبح يمكنه التحليق في النهاية.

"هل أصبحت غير قادرٍ على مفارقتي الآن؟" حاولت إغاظة أتريوس الذي ابتسم وأجاب: "أنتِ تغترين بنفسك كثيرًا يا بندقية العينين" ابتسمت في المقابل وقد أعجبها اللقب نوعًا ما.

"ألا يمكنك البقاء لمرةٍ كالبقية والاستماع للنهاية؟" تساءلت ليقحم يديه في جيوبه بلا مبالاة ويجيب: "لا أهتم، كل ما أعرفه أن على النهوض والقتال ضد أحدهم، ثم العودة للنوم، كما أن..." صمت لثوانٍ ثم قال: "مرافقتك أكثر متعة".

ارتفع حاجباها، ولكنها حاولت بشدةٍ ألا تعطي رد فعلٍ قوي يدفعه للشعور بعدم الارتياح. "أعلم، الجميع يقول إن مرافقتي ممتعة" ضحك لثوانٍ مما سبب اتساع ابتسامتها. "لا أعرف الحقيقة بالنسبة للآخرين، لكن بالنسبة لي إغاظتك ممتعة جدًا".

هذا هو أتريوس الذي تعرفه، هذه كانت فكرتها وهي تنظر لوجهه، ولكن لم تفارق الابتسامة وجهها.

دلف كلاهما المبنى المضاء بالكامل، والطلاب يتحركون بحريةٍ نحو مَهاجعهم أو صالات الطعام لتناول العشاء.

اتجها لحيث أحد المصاعد بينما تتبع خطواتهما الأنظار الفضولية، ولم يكن من الصعب حقًا على نصفهم تخمين من يكونا، خاصةً بعد خروج جلنار والإفصاح عن هويتها أمام الجميع.

كانت أوامر جميع المشرفين واضحة، يُمنع الاختلاط بالفرسان أو إزعاجهم أو حتى التحدث معهم سوى عند الحاجة، وقوانين الأكاديمية صارمة بحق؛ لذلك اكتفى الجميع بإلقاء نظرةٍ فضولية.

"أنتما!"

التفت الاثنان نحو الصوت الذي صدح في المكان، شعرٌ أشقر بأطراف غامقة وأعين عسلية واسعة تشع حماسًا وعزيمة تقدم صاحبها بحماسٍ شديد نحو الاثنان غير مبالٍ بالقوانين والتحذيرات.

انحنى بخفةٍ احترامًا، ولكن كان الحماس ينفجر من جسده وقال: "أنا سعيدٌ جدًا لتقابلنا مجددًا، عندما سمعت بحضور الفرسان لأسبوعٍ بالكاد تمكنت من النوم ليلًا لشدة حماسي". توقف لثوانٍ أمام نظراتهما وبدا لثانيةٍ وكأنه شعر بخيبة أمل، ولكنها لم تظهر في صوته عندما قال: "لابد أنكما نسيتماني، أنا جـ..." قاطعته جلنار المبتسمة قائلة: "جايدن رولان من نورث، كيف لي نسيان من أعطيته سري؟".

اتسعت عيناه بقوةٍ وهو يحدق بجلنار ليسخر أتريوس قائلًا: "لا تبكِ يا فتى". نكزته جلنار ليتوقف، لكنه لم يمانع إطلاقًا.

"إنه… إنه شرفٌ لي" أجفلت جلنار لصوته العالي الذي جذب انتباه الجميع. "لا بأس، اهدأ قليـ..." حاولت جلنار تهدئته، لكن بدا الفتى مؤخوذًا باللحظة وقال: "عندما ظهرتِ في ذلك البث معلنةً عن هويتك بكل فخر واعتزاز، لقد شعرت بكامل جسدي ينتفض، لقد وصلتني مشاعر فخرك بهويتك، حينها -فقط- عرفت أنكِ ستكونين قدوتي، لقد كنت متأكدًا من أنك قد نسيتِ شخصًا مثلي، لكني شعرت بالفخر الشديد لتمكني من الوقوف والتحدث مع شخصٍ مثلك ذات يوم، شخص قبل أن يعتز بقوته كابنة للتوبازيوس كان يعتز بأصله وبهويته ضاربًا بأقوال الممالك كلها عرض الحائط…".

نظرت له جلنار بصمتٍ ولسبب لم تفهمه كل كلمة نطقها بحماسٍ قد يبدو طفوليًا ومندفعًا أثرت بها بشدة.

"لطالما وضعت حدودًا أريد تخطيها لأصبح الأقوى، كنت أدرس جميع المحاربين وأعرف حدود طاقاتهم وأساليبهم وكنت مؤمنًا بقدرتي على  تخطي جميع الحدود، ولكن… بعد اختبار الأكاديمية يليه ذلك البث عندما نظرت لك واقفةً تصرخين بكل عزمٍ شعرت أنني أمام حائطٍ ضخم، حائط لا يمكنني رؤية آخر له، بدوت كحاجزٍ لا يمكن تخطيه أبدًا، ولكن إصرارك ذلك اليوم زاد إصراري، لن أتوقف ولن يهدأ لي بالٌ حتى أصبح أقوى يومًا ما، حتى أصبح أنا الحائط الذي يتطلع الآخرون لتجاوزه!"

ارتسمت ابتسامةٌ دافئة على شفتي جلنار وهي تستمع له، نظرت لعينيه الصادقة بعينين متعبتين ولكن ممتنتين قبل أن تربت على كتفه قائلة: "شكرًا لك".

راقبها بأعين متسعةٍ يشعر بقلبه ينبض بعنف داخل صدره. "كل ما قلته يعني لي الكثير، جايدن… لذلك..." ضغطت بيدها بخفةٍ فوق كتفه مردفة: "لا تتغير ولا تترك العالم مهما ساء يغير بك شيئًا، كن كما أنت مهما كان الأمر قاسيًا، فتى مثلك قادرًا على قيادة أمةٍ كاملة".

كان جايدن يختبر تلك المشاعر للمرة الأولى، لقد وجد قدوته حتى نهاية حياته، كانت امرأةً قوية صامدة وتملك روح الثورة داخلها، ولكنها قادرة على منحك أكثر الابتسامات دفئًا وأسرك بنظرتها الثابتة التي تشع إصرارًا رغم تعبها.

"جايدن رولان!"

صوتٌ من آخر القاعة صاح بصرامة قبل أن يتقدم فتى نحوهم يسحب جايدن من قميصه بسرعةٍ قبل أن ينحني معتذرًا للاثنين من وقاحة جايدن.

كان بإمكان جلنار تذكره، كان ذات الفتى الذي تقدم وسحب جايدن أيضًا سابقًا؛ لذلك ابتسمت نحوه وقالت: "لا بأس، حاول التستر عليه". غمزت في النهاية باتجاه الفتى دراك لتسقط تعابيره الجامدة وتتبدل بأخرى أكثر ارتباكًا قبل أن يقول بنبرةٍ مليئة بالاحترام: "أمرك، ابنة التوبازيوس".

قبل أن ينحني مجددًا باحترامٍ مبالغ فيه ويسحب خلفه جايدن الذي ما زال يحدق بجلنار بفيه مفتوحٍ وبالكاد يمكنه تكوين جملةٍ صحيحة.

ظل أتريوس يراقب جلنار منذ ذهاب الفتى حتى إغلاق باب المصعد على كليهما وتحركه للأعلى.

أخرج محرمةً قماشية زرقاء من جيب بنطاله وناولها لجلنار التي عقدت حاجبيها باستغرابٍ ليسخر قائلًا: "في حال بدأت دموعك التساقط تأثرًا".

صفعت كتفه بقوةٍ وسحبت المحرمة من يده قائلة: "احلم برؤيتها مجددًا، أيها الظريف". ضحك مسببًا انتقال العدوى نحوها لتحاول منع ضحكتها.

"لا تغتري كثيرًا، كنت قدوته قبلك، عندما يرى المجنح غدًا يغير ريشة لزجاجٍ سيجعل منه أسطورته وقدوته"

انفجرت ضحكات جلنار غير قادرةٍ على كتمها هذه المرة لتترك ضحكاتها أثرًا على وجه أتريوس بابتسامةٍ صغيرة.

خرج الاثنان من المصعد حيث الطابق الخامس لتقابلهما الغرف على الجانبين متراصةً بنظام.

كان نظامها غير معقد، كل ما عليك هو اختيار غرفةٍ والضغط على زر التسجيل على اللوح بجوار باب الغرفة ليأخذ بصمة الوجه واليدين، ثم تُفتح الغرفة وتُنار أضواءها تلقائيًا.

اختارت جلنار آخر غرفةٍ في المكان لتؤخذ بصمة وجهها ويدها ويُفتح بابها. "أي غرفة تنوي أخذها؟" سألت تنظر لأتريوس، لم يفكر أتريوس مرتين عندما أشار بإبهامة للغرفة التي تجاور غرفتها تمامًا قائلًا: "هذه أقرب واحدة؛ لذلك..." ضغط على زر التسجيل لتُؤخذ بصمة وجهه ويده.

"أقرب واحدةٍ لماذا بالضبط؟" سألت جلنار بلا استيعاب، وعلى ما يبدو أن الجملة خرجت من شفتي أتريوس بلا تفكير لأنه تجمد أيضًا يدرك ما قال.

أراد الإجابة قائلًا المصعد، ولكنه كان في نهاية المكان على بعد أربعة غرفٍ أخرى ليحك ذقنه ويقول: "أقرب لغرفتك، لأستطيع إزعاجك متى ما أردت".

حاولت جلنار بشدةٍ مقاومة ابتسامتها؛ فلم يكن من الصعب بعد الآن تخمين مقصده الحقيقي، وعندما لاحظ ذلك شتم نفسه داخليًا قبل أن يقول: "تصبحين على خير". أوقفته جلنار قائلة: "أتريد قضاء بعض الوقت معي؟ لإزعاجي طبعًا".

وقف مكانه ينظر لباب غرفته الذي فتحه آنفًا ليتنهد مستسلمًا ويعيد إغلاقه قائلًا: "أظن أنها فرصة لا تعوض".

اتسعت ابتسامتها ودلفت لغرفتها تاركةً الباب خلفها مفتوحًا.

كانت الغرفة مجهزةً بأفضل الأثاث والأجهزة، وبدا كل شيءٍ تكنولوجيًا أكثر من منزل الفرسان الذي يتميز بالسحر أكثر.

لم تهتم جلنار سوى بالشرفة الصغيرة التي تطل على حديقة ضخمة خلف الأكاديمية وقد عرف أتريوس في اللحظة التي وقعت عينه عليها أين ستقضي جلنار معظم وقتها عندما تعود لغرفتها.

ابتسم عندما أدرك أنه محقٌ ما أن انطلقت جلنار بسعادةٍ نحو الشرفة تفتح بابها لتقف ممسكةً بحافتها تراقب السماء ونجومها بأعين مدهوشةٍ ومرتاحة في الوقت ذاته.

وقف بجوارها يحدق بوجهها كما تحدق هي في السماء…

وأراد للوقت أن يصبح أبطأ ولو قليلًا.

انتهى الأمر بهما جالسين فوق الأرضية يسند كلاهما ظهره لجدار الشرفة رغم وجود كرسيين في المكان، ظل الاثنان يتبادلان الأحاديث، يحاول كلٌ منهما إغاظة الآخر، وفي النهاية وجدت جلنار متعةً كبيرة في شرح كل الأماكن الرائعة على الأرض والتي تظن أنها قد تناسب أتريوس تمامًا متجاهلةً تعبها ورغبتها في النوم.

ووجد هو متعةً أكبر في الاستماع لها ومراقبة تعابير وجهها التي تتغير كل دقيقة وطريقة تعبيرها عما تتحدث بيدها تارةً وجسدها كله تارة، كيف تقف على ركبتيها وكيف تعاود الجلوس مجددًا وهي تحاول إيصال فكرتها.

وهكذا انقضت الليلة وهما يتسامران إلى أن سقطت نائمةً على كتفه دون أن تدرك.

ظل يحارب بشدةٍ رغبته في إبقاءها بجواره وصوت عقله الذي يخبره بوضعها في سريرها والخروج من الغرفة.

الأفكار التي تراوده كلما اقتربت منه جلنار تصبح أكثر سوداويةً وتشكل رعبًا أكثر عليه.

الأسرار سيئة، تُهلك صاحبها، وأسرار أتريوس كانت كفيلةً بهلاكه بكل الأشكال. تنهد قبل أن يزيح إحدى خصلات شعرها التي سقطت على وجهها قبل أن يقرر وضعها في فراشها؛ فقد بدت حقًا متعبة.

حمل جسدها بخفةٍ ووضعها بين الوسائد والأغطية قبل أن يُطفئ أنوار الغرفة ويتجه للخارج.

ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغلق باب غرفتها متجهًا لمعزله تفترسه أفكاره حتى يقع هو بدوره في النوم.

....

صبيحة اليوم التالي كانت جلنار آخر المستيقظين وقد اتفق الجميع على منحها وقتًا أطول للراحة؛ لذلك ما أن استيقظت لم تجد في وجهها سوى يوجين الذي ظل يتحدث طيلة الوقت عن مدى كبر مساحة الأكاديمية وكثرة مرافقها.

أخذت جلنار حمامًا وهي تستمع لكل ما حدث بليلة الأمس من يوجين حيث قابل الفرسان مديرة الأكاديمية وقابلوا بعضًا من مدربيهم؛ فالبقية وصلوا صباح اليوم.

كانت تعرف جلنار أن عليها مقابلة المديرة عاجلًا أم أجلًا، لكنها فضلت التظاهر بعدم المعرفة مؤقتًا وارتدت سترتها السوداء فوق القميص منزوع الأكمام أخضر اللون وبنطالًا أسود وحذاءً طويل الرقبة.

جمعت شعرها بسرعةٍ في ربطة واحدة وخرجت من الغرفة.

لم يكن من الصعب معرفة أين البقية، بل كان من السهل سؤال أي أحد، ولكن كان حقًا من الغريب عليها التعامل مع نظراتهم وارتباك أغلبهم عندما يجيبها، حتى أن البعض كان ينحني باحترامٍ ما أن يلاحظ من تكون.

تنهدت بتعبٍ قبل أن تتجه للمبنى الذي يحتوي على قاعات التدريب حيث اجتمع المشرفون مع الفرسان، تمكنت من الوصول للقاعة الداخلية ليظهر أمامها الفرسان واقفون بهدوءٍ وأمامهم مجموعة المدربين، وكان بإمكانها التعرف على بعضهم تقريبًا.

في مقدمتهم كان رجلٌ طويل الجسد عريض المنكبين ذو شعرٍ أسود ولحيةٍ شبه حليقة وأعين زرقاء قاتمةٍ تبدو لطيفة بعد النظر لها مرتين…

كان يشرح كيف ستسير آلية التدريب ويقوم بتعريف كل مدربٍ على حدا، وقد وقف بجواره أوكتيفيان كما هي عادته في الإشراف على الأمور.

تسللت جلنار بهدوءٍ بينهم ومنعت نفسها بصعوبةٍ من التثاؤب قبل أن تقف بين كلٍ من أغدراسيل و رومياس دون أن يلاحظها أحد المدربين.

"تمكنتِ من الاستيقاظ أخيرًا؟" همس أغدراسيل ممازحًا لتبتسم وتجيب: "وددت لو نمت اليوم كاملًا". اتسعت ابتسامته بدوره وهمس: "ما كانوا ليتركوكِ، أتعلمين كم مرةً سمعنا سؤال: أين هي ابنة التوبازيوس؟". تثاءبت بقوةٍ وأجابت: "قل ذهبت في مهمةٍ لعالم الأحلام".

هربت ضحكةً صغيرة من رومياس الذي كان يستمع من البداية لتجذب انتباه الرجل الضخم المتحدث.

نكزت جلنار ذراعه مؤنبةً ليعتذر بسرعة.

اتسعت أعين الرجل ما أن لاحظ وجود جلنار قبل أن ينطلق نحوها بسرعةٍ ويقوم بالتعريف بنفسه قائلًا: "يا لشرفي، سعيدٌ جدًا لمقابلة ابنة التوبازيوس". بادلته بابتسامةٍ ووضعت يدها في كف يده الممتدة ليهزها بحرارةٍ وهو يقول: "أنا المساعد الأول لرئيس الحرس الملكي، أُدعى بكافايل هنري كليسيثينس، يمكنك منادتي بهنري، سيدة روسيل".

ارتفع حاجبا جلنار لاسم العائلة وشعرت ببعض الاستحسان لأنها ليست مضطرةً للتعامل مع نبيلٍ آخر؛ لذلك أومأت وقالت: "ويمكنك منادتي بجلنار بحريةٍ، سيد هنري". عقد حاجبيه وقال بصرامة: "كيف لي ذلك؟ لا يمكن لشخصٍ مثلي محادثة ابنة التوبازيوس بوضاعة".

حركت رأسها رافضةً وبدأت تشعر ببعض عدم الارتياح للأنظار المتجهة لها وقالت: "لا بأس، أظن أن بإمكاني التصرف براحةٍ أكثر إن اكتفى الجميع باسمي".

لم يبدُ هنري مقتنعًا؛ لذلك قال كحلٍ وسط: "سيدة جلنار إذًا". لم يرق لجلنار كثيرًا، لكنها قررت الموافقة على مضضٍ لئلا تحرج رجلًا مثله أمام الآخرين.

بدأ هنري يعرفها على بقية المدربين والذين كانوا من مختلف الممالك، وذكر أنه -بسعادةٍ بالغة- سيشرف على التدرب معها شخصيًا وقد تجنب تمامًا قول إنه من سيدربها.

بدا لجلنار حقًا رجلًا لطيفًا، ولكنه صارمٌ أمام مبادئه واحترامه للآخرين؛ لذلك أقنعت جلنار نفسها بأنها ستعتاد شخصيته مع مرور الوقت.

مر نصف اليوم تقريبًا في المحادثات فيما بينهم والتعرف على جميع المدربين، وكانت جلنار ممتنةً لرؤية بعض الوجوه المألوفة.

وعندما كاد التدريب الجدي يبدأ انعقد حاجب نصف الفرسان وظهر الاستغراب على بعضهم، وقد تبادل كلٌ منهم النظرات يتأكد من أن الآخر وصلته ذات الرسالة الملكية.

وبدا شخص واحد فقط من بينهم يعلم بالضبط محتوى تلك الرسالة من قبل أن يفتحها.

....

اجتمعوا حول بعضهم يتناقشون حول مغزى الرسالة، في الواقع لم يكن هناك ما يمكنهم فعله؛ فقد حددت الأميرة بالفعل أنهم سيتحركون الليلة ليصلوا صباحًا إلى أرض المتنكرين لاختلاف التوقيتات الذي لم تفهمه جلنار بعد.

"كيف يمكنهم الموافقة على التدريب، ثم إيقافه وإرسلنا لمملكةٍ أخرى؟" هتف لافيان متذمرًا ليجيب أوكتيفيان قائلًا: "إن الأمر ضروري ولا بد منه، نحن نتحدث عن احتمال وجود بوابة ظلامٍ أخرى".

"احتمال، ليس أكيدًا!" قال زوندي ليتنهد أوكتيفيان، ولكن تدخل أرتيانو قائلًا: "ذلك الاحتمال قد يكلفنا المزيد من الأرواح؛ لذلك من الأسلم لنا التوجه لهناك والتعامل مع الأمر، لا تنسوا أن الأمر فرصةٌ لإيجاد طرف خيطٍ يوصلنا لطريقة تنقل الإريبوس".

بدا حديثه منطقيًا، ولكن الجميع كان مجهدًا ليس إلا.

" كما أن قصر عائلة أركستوري سيستضيفنا وسيوفرون كل ما نحن في حاجةٍ له، ومن لا يريد المجيء يمكنه البقاء، فستةٌ منا فقط ذاهبون لهناك" أضاف أوكتيفيان في النهاية ليصمت الجميع ويتبادلون النظرات بينهم.

لم تتذمر ثونار هذه المرة وظلت تراقب بصمتٍ جوزفين الذي جلس دون أن يضيف حرفًا وعينه تحدق بالأرض، يبدو بالفعل بعيدًا عنهم.

لم تكن الوحيدة التي لاحظت حالته فجلنار شعرت ببعض القلق لعودة جوزفين للمكان الذي توفى فيه صديقه، ولكنها وجدتها فرصة مناسبة تدفعها لتشجيعه على مقابلة أهل المفقود وتعزيتهم بشكلٍ لائق.

"إذًا... من سيذهب؟" سألت ثونار باهتمامٍ ليجيب أوكيتفيان: "تم طلب ابنة التوبازيوس بشكلٍ قطعي؛ لذلك جلنار، وأنا عوضًا عن المتحدث العسكري لقوات الإلترانيوس، وبالطبع نحن في حاجةٍ لساحرة، أي أن عليكِ المجيء، ثونار، وأظن أن على جوزفين المجيء؛ فهو الصلة الوحيدة بين الفرسان والمتنكرين".

زمت ثونار شفيتها وتمنت لو أن هناك طريقة لمنعه من الذهاب، ويبدو أن جوزفين قد قرأ وجهها؛ لذلك قال: "بالطبع علي الذهاب، لكن هكذا تبقى مكانين، من المحظوظان؟". عقدت حاجبها ونظرت نحوه باستنكار، لكنه ظل واضعًا ذات الابتسامة والتعبير.

"أود من أغدراسيل البقاء هنا والإشراف على الباقين وتدريباتهم" طلب أوكتيفيان لتنتقل عين أغدراسيل نحو جلنار بسرعة، لكنه زم شفتيه ورسم ابتسامةً صغيرة وقال: "بالطبع، يمكنني ذلك".

أومأ أوكتيفيان باستحسانٍ لتتدخل جلنار قائلة: "أريد من زوندي المجيء".

التفت الجميع له ليشير لنفسه يحاول التأكد لتومئ قائلة: "وعدتك بمدربٍ مناسب، لا أظن أن أحدًا بإمكانه إقناع المدرب الذي تريد بالعودة معنا سواك". شعر زوندي بالتوتر، ولكنها كانت محقة، إن أراد التحسن عليه العودة مع آرنالدو هيلبارت لأرض الإلترانيوس؛ لذلك أومأ موافقًا.

نظر البقية لبعضهم يحاولون تخمين الشخص الأخير. "أتريوس" لم يصدق أوكتيفيان نفسه عندما نطق باسم أتريوس، ولكن في قرارة نفسه كان يعرف أنهم بحاجةٍ لأقوى الموجودين في حالة حدوث أي حالةٍ طارئة، ورغم مقته لأتريوس فقد وجد أن عليه وضع مهمتهم أولًا ومحاولة إقناعه بالمجيء.

وقبل أن يفتح فمه في محاولاتٍ يائسة بإقناعه قاطع أتريوس قائلًا: "موافق".

ارتفعت حواجب الجميع تقريبًا حتى كادت تلامس مقدمة رؤوسهم بما فيهم يوجين، ولكن أتريوس ظل مكتفًا ذراعيه غير مبالٍ.

نظف أوكتيفيان حلقه وتدارك الأمر قائلًا: "حسنًا، هذا يعني… جلنار، وثونار، جوزفين، زوندي، أتريوس وأنا سنتجه لأرض المتنكرين، وسيحافظ بقيتكم على وتيرة تدريباته هنا حتى عودتنا، من المفترض ألا يطول الأمر كثيرًا".

لم يملك الفرسان الكثير للاعتراض عليه، ولم يكن في يدهم حيلة؛ فالأمر ملكي، وحتى وإن كان بإمكانهم الاعتراض فأرتيانو كان محقًا، قد تكون تلك فرصتهم الوحيدة للوصول لبوابةٍ فعلية لأرض الإريبوس.

لم يمانع المدربون كذلك تأجيل تدريبات الستة ليومين أو ثلاثة، وهكذا خرجوا من صالة التدريب نحو غرفهم.

سارعت ثونار في خطواتها تحاول اللحاق بجوزفين. "إذًا سنرى أين ترعرعت أخيرًا؟" حاولت ممازحته، لكنه بدا على ما يرام تمامًا وقال: "احلمي! سنبقى في قصر عائلةٍ أخرى، وابتلعي فضولك، أيتها الساحرة!". ضيقت عينها ولكزت ذراعه بمرفقها قائلة: "وكأني أموت لمعرفة طفولتك، لا بد من أنها كانت مليئةً بالمراهقات، أيها اللعوب".

ابتسم وحرك حاجبيه قائلًا: "الكثير منهم" لتتكرمش ملامح وجهها باشمئزاز.

كانت تعرف أنه يعاني مع أفكاره وأن القلق وربما الخوف قد يتمكنا منه،ولكنها قررت مجاراته لتسحبه بعيدًا عن أفكاره، فمواساته في هذه اللحظة لن تحدث فرقًا حقًا.

عندما عاد كل واحدٍ لغرفته توقفت جلنار ما أن دلفت غرفتها ورأت واندر تتحرك في المكان تنظم أغراض جلنار.

"أوه! لقد عدتِ مبكرًا" قالت باستغراب وابتسامة لتلقي جلنار بجسدها فوق السرير قائلة: "لن تحزري ما حدث وما سيحدث". عقدت واندر حاجبيها باستغرابٍ تسأل عن مقصد جلنار لتفسر: "تم استدعاء ستةٍ منا لأرض المتنكرين، هناك اشتباه باحتمالية ظهور بوابةٍ عند قصر إحدى العائلات الملكية".

توقفت يد واندر عن تنظيم الأغراض وحاولت البقاء طبيعيةً متسائلة: "أي عائلةٍ فيهم؟ فنظام المتنكرين الملكي غريب قليلًا وتنفصل كل عائلةٍ ملكية باسمٍ وأرض خاصة". أومأت جلنار متفقة وأجابت: "أجل، قال أوكتيفيان شيئًا كهذا، أظن أنها عائلة أركسوري، أكرستوي، شيءٌ كهذا".

شعرت واندر بقلبها بخفق بسرعةٍ وسألت على أمل أن يكون الأمر مختلفًا وقالت: "أتقصدين أركستوري؟". فرقعت جلنار أصبعها قائلة: "نعم، بالضبط".

أغمضت واندر عينها وأخذت نفسًا قبل أن تلتفت نحو جلنار قائلةً بابتسامةٍ مهزوزة: "ومن منكم ذاهب؟". زفرت جلنار وصاحت متذمرة وهي تقول: "أنا بالطبع، وثونار وجوزفين وأوكتيفيان وزوندي و... المفاجئة، أتعلمين من وافق على المجيء بلا تردد؟".

نهضت جالسةً مبتسمة تريد رؤية رد فعل واندر المتفاجئ، لكن الأخير قالت بلا إدارك: "أتريوس". كان تأكيدًا لا سؤالًا لتعقد جلنار حاجبيها وتتمتم: "لقد خمنتِ ذلك بسرعة، ظننت أني قد أصيبك بصدمة".

قبضت واندر يدها تحاول منع ارتجافها وأخذت نفسًا قويًا قبل أن ترسم ابتسامةً على وجهها وتقول: "إلهي، كم أنتم محظوظون، لطالما تمنيت زيارة أرض المتنكرين، لقد سمعت أنها تحتوي على أراضٍ طبيعيةٍ شاسعة وساحرة".

دحرجت جلنار عينها وتذمرت: "مع الأسف لن نتمكن من رؤية أيٍ منها، سننشغل بأمر البوابة وسنحاول اكتشاف حلٍ والعودة".

"ومع ذلك ما زلت أحسدكم حقًا، كم سيكون من الرائع إن تمكنت من الذهاب مثلكم، لمَ لا تفكرين في ضمي للفرسان؟" ما زحت جلنار في النهاية لتضحك الأخيرة وتقول: "لكنتِ أكثر الأعضاء قوة". ضحكت الاثنتان قبل أن تتنهد واندر وتقول: "حسنًا، سأتركك للاستعداد جيدًا".

قررت الخروج وفي خلال النظر لظهرها تغيرت تعابير جلنار تمامًا لأخرى جدية.

كان بإمكانها أخيرًا ملاحظة توتر واندر وقد قفز لرأسها السبب الوحيد، بالطبع من الصعب عليها ترك أتريوس يذهب لمكانٍ آخر مخاطرًا بكشف هويته!

لطالما حاولت البقاء حوله لحمايته حتى في حين أنه لم يكن بحاجةٍ للحماية، ولكن هذا منحها الاطمئنان والسكينة التي تبحث عنها كلما ابتعد أتريوس.

"أتريدين المجيء؟" تجمد جسد واندر لسؤال جلنار والتفتت بسرعة، ولكنها تمالكت نفسها وابتسمت قائلة: "لا بأس، صغيرتي، ماذا ستفعل امرأةٌ مثلي سوى عرقلتكم؟". حركت جلنار رأسها للجانبين وقالت: "أنا في حاجةٍ لوجودك، لا يمكنني تناول فطورٍ يعده شخص آخر، أتريدين من ابنة التوبازيوس أن تبقى جائعة؟".

غمزت في النهاية وقالت: "بسرعة، اذهبي وجهزي نفسك، سننطلق قريبًا". منعت واندر دموعها الشاكرة بصعوبةٍ وحاولت التصرف بطبيعيةٍ قائلة: "كما تريد ابنة التوبازيوس" وخرجت من الغرفة.

"ما الذي تفكرين به؟" سأل يوجين لتنظر نحوه ببراءة قائلة: "لا أعرف ما الذي تقصده". ضيق عينه وقال: "توقفي عن التمثيل، لمَ سمحتي لها بالمجيء؟". دحرجت عينيها وقالت: "لقد كانت ترغب كثيرًا بالمجيء معنا، أنا ضعيفة أمام هذه المرأة، كما… توقف عن إزعاجي، على إيجاد معطفي ال...".

توقفت عندما وجدت يوجين ممسكًا بالمعطف الأسود الطويل لتشكره على مضضٍ وتنزع السترة لتستدبلها بمعطفها.

أجفل جسدها عندما سمعت صوت ارتطام باب الغرفة المجاورة لها وصوت واندر المكتوم يقول: "اصدم رأسك بالجدار إذا شئت، إن أردت المجيء سآتي!".

اتسعت عيناها والتفتت ليوجين الذي صفر باستمتاعٍ وقال بنبرة غنائية: "جاءكِ الموت يا سفيرة النوايا الطيبة" وما أن أنهى جملته اندفع باب غرفة جلنار على مصرعه، وربما إن طُبقَ عليه قوة أكبر قليلًا لكان انتزع من مكانه.

ابتلعت جلنار وهي تتفقد نظرة أتريوس المشتعلة والتي قد مضت مدةٌ منذ آخر مرة رمقها بها. "هناك وسيلة استئذانٍ معروفة تُسمى الطرق على الباب" تمتمت وهي تتجنب النظر نحوه. "اذهبي حالًا وأخبريها أن مجيئها معنا ليس واردًا حتى"

ارتفع حاجب جلنار وقد نجح في إغاظتها منذ الجملة الأولى "أنا من قررت أخذها معنا، إن كنت تملك مانعًا فاكتبه في ورقة، ثم ابتلع الورقة لأنني لا أهتم". زفر ومسح وجهه بنفاد صبر "جلنار، كوني عقلانيةً حبًا في الله! ماذا إن حدث أي شيءٍ هناك؟ أستكونين مسؤولة إن أصابها مكروه؟".

"نعم، سأكون مسؤولة، لأنني لن أترك مكروهًا يصيبها"

صك أسنانه يحاول بكل ما يملك ألا ينفجر في وجهها، تقدم ووقف أمامها منتزعًا السترة التي حاولت طيها متجاهلةً إياه، ثم ألقى بها بعيدًا وقال: "وأنا لن أتحمل فكرة إصابتها بمكروهٍ وإن كان صغيرًا، جلنار، إن أصابها شيءٌ سـ…" توقف يحاول انتقاء كلماته بحرصٍ حتى تتفهم جلنار وأردف: "سأصاب أنا بالجنون، فلن أتمكن حينها من كراهية السبب الذي دفعها للذهاب".

نظرت لعينه وتنهدت قبل أن تقول بهدوء: "لن يحدث شيءٌ، أتريوس، أنت تبالغ في حمايتها". أراد بشدة ضرب رأسه بالجدار في هذه اللحظة لشدة غيظه، ولكنه لم يتمكن سوى من التحديق بنظرتها العنيدة والعض على شفتيه محاولًا التحكم في نفسه قبل أن يخرج من المكان صافعًا الباب خلفه.

"حسنًا، هذا كان نقاشًا مثمرًا كالعادة" دحرجت جلنار عينها لسخرية يوجين وتنهدت بانزعاج.

بالفعل تحرك الستة وسابعتهم واندر التي استغرب البقية مجيئها، ولكن ما أن أقنعتهم جلنار برغبتها وراحتها في وجود واندر لم يمانع أحدهم، خاصةً أن المسألة قد تبدو خطيرة، لكن الأمر كله مجرد حقلٍ من الطاقة وستة فرسانٍ من أقوى الموجودين مع الحرس الملكي، لن يصعب عليهم حماية امرأةٍ كواندر إن لم يسر الأمر كما يجب.

طيلة الرحلة في المركبة ظل أتريوس صامتًا بلا حرف، وبجانبه جلست جلنار بتوتر، وفي الخلف كانت واندر التي كانت غاضبةً بدورها.

"يمكنك قطع الجو بسكين" همس يوجين لتومئ جلنار بخفةٍ موافقة، أخذت نفسًا وحاولت تليين الأجواء قائلة: "إذًا... كيف تبدو أرض المتنكرين؟". قبل أن تجيب واندر قال أتريوس بنبرةٍ جامدة لا نقاش فيها: "لا أريد سماع صوتٍ حتى نصل".

حدقت به جلنار بفيهٍ مفتوح، ولكن وفرت عليها واندر عناء الرد قائلة: "إنها أرضٌ جميلة جدًا، جلنار، يرغب الكثير في فرصةٍ لرؤيتها وآخرون أنانيون يرغبون في حبس الطرف الأول في علبةٍ ومنعه من التحرك لأي مكان".

أغمض أتريوس عينه يحاول تمالك نفسه وقال: "إن كان الطرف الآخر يتفهم أن الآخرين بإمكانهم الدفاع عن أنفسهم وأن وجودهم لن يفعل شيئًا سوى تعريض أنفسهم للخطر ما حاول أحدهم حبسهم في علبة".

زمت واندر شفتيها بانزعاجٍ وكتفت ذراعيها بصمتٍ كما أكمل أتريوس قيادته دون كلمةٍ لتتمتم جلنار: "يا لها من رحلة" ليرمقها أتريوس بطرف عينه فتبتلع لسانها وتقرر السكوت مثلهما.

وهكذا أكملا الرحلة بصمتٍ حتى وصلا للمعابر التي رأتها جلنار من قبل عندما انتقلت مع رومياس لمملكته.

لم يكن الأمر صعبًا، فيبدو أن المعابر التي يستخدمها الفرسان والشخصيات المهمة مختلفةً عن معابر البقية، كما أنها أصغر وأسرع.

كان الأخوان يعملان بلا توقفٍ كالعادة ليحي كلٌ منهما الفرسان قبل أن يطلبوا أن ينقسموا لمجموعتين.

انتقلت كل مجموعةٍ على حدا، وظنت جلنار أن الأمر سيكون أسهل من انتقالها مع رومياس، ولكن ما زال الثقل الذي يسببه الانتقال سيئًا جدًا.

ما أن وصلوا ترنح جسدها بخفةٍ ليمسك أتريوس بمرفقها يساعدها على الاتزان.

نظرت نحو وكادت تشكره ما أن اتزنت على قدميها، لكنه تركها والتفت لباقي المجموعة لتتنهد بيأس.

وجدت جلنار نفسها داخل مبنى كبير وهناك رجلٌ نحيل الجسد والوجه ذو أعين حادة وشعرٍ أسود طويل ينتظر وصولهم، انحنى باحترامٍ محييًا جوزفين خاصةً قبل أن يحي البقية.

 تحركو من خلال المبنى للخارج، وبالرغم من أن شمس الإلترانيوس شارفت على الغروب عند انتقالهم إلا أن الشمس هنا أشرقت للتو. قادهم الرجل حيث كانت مركبة كبيرة الحجم بإمكانها الاتساع لهم جميعًا، بدت مميزةً وباهظة الثمن حقًا.

ركب الجميع وكان مرشدهم -الذي عرف نفسه كمساعد عائلة أركستوري- يتحدث مع أوكتيفيان وجوزفين محاولًا شرح كل ما يجب أن يعرفوه حاليًا، ولم تفت جلنار نظراته التي تلصصت كل فترةٍ نحوها، ولكنه أشاحها باحترامٍ ما أن لاحظ أنها تبادله النظرات.

انشغلت جلنار بالتحديق من نافذة المركبة تحاول رؤية معالم مملكة المتنكرين، إلا أنها لم توفق كثيرًا؛ فقد كانت المركبة تحلق على ارتفاعٍ عالٍ وبالكاد يمكن ملاحظة أسطح المباني.

هبطت المركبة بهدوءٍ داخل أرض قصر عائلة أركستوري، وكما فهمت جلنار فنظام المتنكرين مختلف، العائلة الملكية تنقسم للعائلة الرئيسية والتي تسكن القصر الرئيسي، والعائلات الفرعية كالخال والأعمام وأي صلة قرابةٍ للعائلة الملكية بالدم، كل عائلةٍ لها أرضها وقصورها.

والأراضي العادية يترأسهم ما يسمى الدوق والدوقة، وهما المتحكمان في أراضيهم وسكانها، ولكن تحت أمرة الحاكم أو الملك، ويمكن للأميرة أن تتزوج دوقًا والعكس صحيح.

عائلة أركستوري هي عائلةٌ ملكية لأن جدة العائلة كانت دوقة وقد تزوجت بأحد الأمراء مما جعلها فردًا من العائلة الملكية، وعندما توفي الأمير ظلت الدوقة هي المسؤولة عن العائلة حتى وفاتها واحتفظت باسم عائلتها... أركستوري.

بالرغم من كونها عائلةً ملكية فإنها لا تملك صلة دمٍ قوية بالعائلة المالكة.

ما أن خرج الجميع من العربة كان بإمكان جلنار استشعار توتر واندر من مكانها؛ لذلك ربتت على كتفها بتشجيعٍ لتبتسم الأخرى في المقابل، ولكن عينها ظلت معلقةً على أتريوس الواقف بلا تعبير.

كان كل من مر عليهم ينحي بسرعةٍ لوجود جوزفين الذي أومأ برأسه في المقابل، وكان حقًا من الغريب على الستة الباقية رؤية شخصية الأمير جوزفين، لا الفارس اللعوب الذي يعرفونه.

تقدم سيد العائلة رافاييل أركستوري نحو المجموعة يرحب بهم، كان رجلًا قوي البنية رغم تسلل الشيب لرأسه، ولكنه يملك ابتسامةً لطيفة وأعين خضراء حادة أبرزت لون شعره وذقنه السوداء كالليل.

انحنى باحترامٍ لجوزفين مرحبًا بأمير مملكته أولًا ليبتسم جوزفين ويومئ في المقابل كشكرٍ قبل أن يرحب بالبقية بحرارة معربًا عن مدى سعادته لاستضافتهم في قصره.

وقعت عينه على جلنار لتتسع قبل أن يحيها باحترامٍ مماثل لاحترام جوزفين لتحاول هي بدورها إخفاء ارتباكها والإيماء قبل أن تعرف باسمها ليقول أركستوري: "شخصٌ مثلك ليس في حاجةٍ للتعريف عن نفسه، أنتِ في حد ذاتك أسطورةٌ وأعجوبةٌ حية".

ارتفع حاجبا جلنار بخفةٍ قبل أن تحاول الابتسام كمجاملة، حدق بها أركستوري لثوانٍ، ولكنه التفت وقال: "أرادت زوجتي الاعتناء بكم بنفسها، ولكنها مع الأسف في رحلةٍ خارج القصر، ولكن لا تقلقوا، ستشرف ابنتي بنفسها على العناية بكم وتلبية احتياجاتكم".

التفت للخدم يسأل عن ابنته قبل أن يهمس مساعده دافعًا الرجل للنظر لأعلى السلم لتتسع ابتسامته قائلًا: "أعرفكم بابنتي، جميلتنا الغالية لامارا فينسيا أركستوري".

اتجهت أعينهم للشابة التي هبطت الدرج باتزانٍ وهدوء ترتدي ثوبًا أخضر اللون أبرز لون عينيها المشابه لوالدها وفوقه عباءةً طرزت بالخيوط الذهبية والبيضاء، وجمعت نصف شعرها الأسود بنعومةٍ للأعلى تاركةً ما تبقى منه منسدلًا فوق كتفيها.

كانت أشبه بدميةٍ روسية في نظر جلنار، بشرةٌ كالزجاج الناعم وشعرٌ أسود كان يحمل بين طياته تجعيدةً بسيطة تزيده جمالًا، وأكثر ما يجذب النظر كانت أهدابها الكثيفة السوداء فوق عينها النعاسة.

توقفت أمامهم بكامل أناقتها وأنحنت باحترامٍ لجوزفين الذي كتقليد أمسك بيدها وقبلها بأدب.

كانت يد واندر ترتجف بقوةٍ وهي تحدق بوجه المرأة، وبالرغم من أنها ظلت واقفةً بهدوء عادي فقد كانت تتمالك نفسها بصعوبة.

التقت عين كل من جلنار وابنة أركستوري لثوانٍ، ثوانٍ كانت جلنار تحاول فيها تذكر أين سمعت اسم هذه المرأة من قبل.

وعكس جميع ردود الفعل التي اهتمت بجلنار انحنى رأس فينسيا باحترامٍ قبل أن تمر عينها على البقية وتقع على شخصٍ واحد بينهم.

على الرغم من أن كل شيءٍ بدا عاديًا للجميع فلسببٍ لم تفهمه جلنار كان بإمكانها الشعور بثقلٍ غريب في الجو.

"مرحبًا بكم في قصر عائلتنا، أنا لامارا فينسيا أركستوري، يشرفني الاعتناء بضيوفنا"

تسارعت أنفاس جلنار وتلقائيًا وجدت عينها تحلق نحو أتريوس الذي وقف خلف الجميع، ولكن عينه كانت ثابتةً على هذه المرأة.

وفي المقابل رغم كل الثبات والثقة والقوة التي تتحدث بها الفتاة كان يمكن لجلنار رؤية شيء ما... لمَ لا تحرك عينيها عن أتريوس؟ ولمَ… لمَ تحمل عينيها هذه اللمعة وكأنها تنظر لذكرياتٍ لا لشخصٍ بعينه؟

كل تلك الأسئلة جالت داخل رأس جلنار ورغبةٌ قوية داخلها أردات قطع تواصلهما البصري السخيف.

"شيءٌ ما يحدث هنا بكل تأكيد" سخر يوجين هامسًا بجوار أذن جلنار، ولكن الأخيرة تجمد جسدها متذكرة…

الآن فقط بدأ كل شيءٍ يصبح أوضح عندما التفتت نحو واندر تنظر لها متذكرةً ليلة الحفل، عندما ذكرت واندر هذا الاسم، ثم تظاهرت أنه لا شيء…

نظرات واندر نحو الاثنين كانت تقول كل شيء.

شعرت جلنار بقلبها ينبض بسرعةٍ عندما عادت بذاكرتها قليلًا مدركةً أن تلك لم تكن المرة الأولى التي تسمع فيها الاسم…

كانت هناك مرة!

كان أتريوس جريحًا، محمومًا وفاقدًا للوعي…

كان يكرر هذا الاسم…

كان أتريوس يكرر اسم هذه المرأة بأثناء فقدانه للوعي!

ارتفعت عين جلنار وللمرة الأولى تشعر بأنها خارج نطاق أتريوس تمامًا، مرتها الأولى التي تشعر فيها بأن تركيزه موجهٌ لغيرها، وبالرغم من امتلاء الغرفة بالأشخاص قد شعرت أن الغرفة تضيق على ثلاثةٍ فقط…

اثنان حدقا ببعضهما بصمتٍ وجمود، وشعرت بنفسها كعجلةٍ ثالثةٍ بينهما.

 

 ************************************

صباح الخيررر

مش هطول عشان هموووووت وأنام بجد

حرفيًا غفلت مرتين وأنا براجع الفصل، طول مني لأني حتى بعد ما عدلته الفترة الي فاتت فضلت حساه  ناقص وغريب

بس دلوقتي أقدر أنزله بضمير مرتاح

الفصل أطول من الي قبله زي ما وعدت 17 الف كلمة الحمد لله.

المهم التنزيل الفترة دي هيكون كل يوم خميس بس وده بسبب ان اختبارات الفاينل عندي هتبدأ يوم 20 يعني بعد 10 أيام

هحاول أكتب فصل كمان وأخصص لي وقت بين المذاكرة لكن لو مقدرتش ولقيت أن الموضوع هيأثر على دراستي هنزل خبر سواء في ستوري الانستا أو صفحة الفيس عندي لحد ما الاختبارات تخلص.

لكن لاني عارفة أهمية الفصل الجي عندكم وكتيييير اوي مستنيه وأحداثه أصلا جاهزه بس محتاجه تعديل جااامد عشان مكتوبه تسليك هحاول أنزله قبل بداية الاختبارات

بس والله

انجوي بالفصول

لوف يو 

باي  


 

 

 

 

 

تعليقات

  1. اول تعليق 😭😭😭😭🤍

    ردحذف
  2. اروح اقراء بمزاج الحين 🙂😍

    ردحذف
  3. اخيرااااا😍😍😍❤️❤️

    ردحذف
  4. و في النهاية توقفنا عند فينيسيا و لم نعرف كامل القصة 😭😭😭

    ردحذف
  5. لووولللوووليييييش ، صباح الرواية 😭😭🥳

    ردحذف
  6. كنت حاسة الفصل هيقف علي نفس القنبلة 😭😭
    استني الخميس الجاي إزاي وهو يوم بدأي للامتحانات 😭😭

    ردحذف
  7. ❤️❤️❤️❤️❤️❤️

    ردحذف
  8. اخيرا عرفنا هوية فنيسيا بعد سنينننن، المهم هلق نعرف شو صار بينها وبين اتريوس، مع اني متحمسة لنشوف الايربوس مرة تانية حماسسس🔥🔥🔥🔥

    ردحذف
  9. اول ما واندر اتوترت عرفت ان فينيسيا هناك😂💃

    ردحذف
  10. ليه الفصل وقف عند اكتر حتة مستنيينها 😭😭

    ردحذف
  11. اقسم بالله كنت حاااسة انه راح ناكل هواااء وماراح نعرف قصة فينسيا😭😭😭 قلبي كان حاسس

    ردحذف
  12. نزلت للتعليقات مخصوص عشان اعرف عرفتوا فينيسا ولا لا

    ردحذف
  13. الفصل الجاي ينزل يوم الإتنين صح؟.

    ردحذف
  14. الشعور وكانك شخص ثالث شعور مولم بجد اه احسها راح تبكي 🥲💔

    ردحذف
  15. لا ابدا فيش تعليق...😭😭

    ردحذف
  16. ممكن لينك فصل 52 او 53

    ردحذف
  17. حاولي نزلي أخر فصل قبل الأختبارات في يوم الأحد لأنه هموت و أعرف مين هالحية فينسيا 😭😭

    ردحذف
  18. ممكن لينك الفصل 52 او 53 او 54 🥺

    ردحذف
    الردود
    1. في الصفحة الرئيسية حيظهرلك بس عنوان هاذ الفصل و تحت شوي مكتوب المزيد من المشاركات اصغطي عليها بيظهر الفصل اللي قبلو و هيك نتنقل بين الفصول

      حذف
  19. دورنا دورنا ووقفنا عند نفس النقطة ، الحمد لله أنو جلنار استوعبت أن غينيسيا تم ذكرها من قبل ، مستنية لحظة تعرف اتريوس على شارلوك حتكون مفاجأة عظيمة.
    شعور أنني نقرا الفصل لاول مرة ومعنديش فكرة على اللي جاي جد مشوقة

    ردحذف
  20. أخيرًا هنشهد تحول دفة الغيرة من أتريوس لجلنار

    ردحذف
  21. انا مش متخطية جزئية إني ممكن أعلق على كل فقرة في الفصل
    فينها ايام الواتباد

    ردحذف
  22. اخذت الصدمة
    ابدا ما توقعت ااااااا☠️

    ردحذف
  23. من الان اكثر شخصية بكرهها في الرواية هي فينيسيا

    ردحذف
  24. لحضة ليش اتريوس وافق بسرعة انه يروح معاهم ؟؟؟
    لا يكون يبي يشوف الحية 😠😠😠

    ردحذف
    الردود
    1. يريد يبقى مع جلنار ..و يعرف اكو خطر هنا ما يكدر يتركها

      حذف
  25. ♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️

    ردحذف
  26. كنت بقرأ الفصل و من حلاوته نسيت ان فينيسا هتظهر فيه المفروض 😭😭😭، اخر حاجة كان ممكن اتوقعها ان فينيسا تكون من ممكلة مختلفة خاصة المتنكرين بعيدا عن انها من عيلة ملكية 😭😭😭، اتريوس و العائلات الملكية و النبلاء ما بتجمعوا على خير 😭😭😭، بس بجد البارت دوبت فيه حقيقي كل مومنتات اترينار خدت قلبي 😭😭😭، جوزفين يخي لما عصب يوجين موت عليهم ضحك 😭😭😭، شكل ايامنا في ممكلة المتنكرين ماراح تكون بسيطة خالص، بعيدا عن اني متحمسه لاننا روحنا ممكلة جديدة يارب ابو جوزفين ما يعرك الجو و يظهر و يخرب على جوزفين بس، جلنار حبيبتي المسكينة موقفها صعب، بحاول اتخيل اللي بين اتريوس و فينيسا بس باين عليه معقد اووي بما ان واندر خايفة كل الخوف دا و قلقانة لدرجة انها راحت معاهم، بس خير انا بثق في ترتوسة و اكيد هو مظلوم و اكيد بردو ماراح يأذي جلنار ، لو ما عطاها لفينيسا الوجه الخشب و فضل جنب جلنار زي عادته هدخل انا الرواية و اموته و اموت فينيسا و اخطف جلنار و اجوزها لديفيد انا بحذركم، في النهاية احب اشكرك على تعبك و ربنا معاكي في اختباراتك و معانا كلنا لان اختباراتي قريبة بردو، بحبك و بحب الرواية 💕💕

    ردحذف
  27. احساسي يقول ان اتريوس وثق في فينيسيا لاكن هي استغلته و خانت الثقة اللي بينهم

    ردحذف
  28. شكرا جزيلا على الفصل وانا اتحرق شوقا الى الفصل القادم. 🥲 اه متى يصل الخميس

    ردحذف
  29. الفصل كان ماشي حلو ليه القرف اللي في الاخر دا

    ردحذف
  30. الفصل قنبله مبطلتش ضحك دمتي مبدعه 💓 💓 💓

    ردحذف
  31. انا بقرأ ببطء شديد لو سلحفاة تقرأ معى كانت انتهت قبلى بكثير ...لكننى حرفيا كنت لا اريد ان اصل لنهاية الفصل 😭😭
    ولكنه بالطبع فصل أكثر من رائع❤️💥❤️

    ردحذف
  32. إسراء من فضلك، بدون أي ضغط
    لازم نعرف هذا الأسبوع مين الحية دي أنا، الموضوع مسألة حياة أو موت

    ردحذف
    الردود
    1. يرضيكي الاء تموت يعني يا اسراء!!!!🥺🥺😂

      حذف
    2. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف
  33. هيني قرأت الفصل للمره الثانيه 🥹💔

    ردحذف
  34. اختي فالله مش عارفة انام من غير الفصل اين الفصل

    ردحذف
  35. انا اتفق يا اسراء انك متحدديش معاد معين للتنزيل نزلي وقت ماتبقي فاضيه علشان احنا منفضلش منتظرين ونحبط في الاخر وانتي متضغطيش

    ردحذف
  36. طيب هيني بستنى بالفصل 🥺🥺💔

    ردحذف
  37. وينك يا اسرااااااااااااااء

    ردحذف
  38. سؤال يطرح نفسه اللي استنو الرواية سنوات لترجع ما مقدار صبركم 👀

    ردحذف
    الردود
    1. باليوم بدّخل اقل أشي خمس مرات افحص لو فيه بارت🙂🙂🙂🙂🙂🙂

      حذف
    2. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف
  39. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  40. انتظاري قد طال
    حتى انني بدأت بتأليف بعض السيناريوهات لما سيحصل في هذا الفصل اللذي لا يريد النزول

    ردحذف
  41. عدا ٢٠ يوم 😭😭😭😭😭 يارب بكرا الفصل

    ردحذف
  42. اعلن مقتي لصورة و عنوان هذا الفصل 😑
    كل مرة ادخل على امل الاقيهم اتغيرو و فصل جديد نزل بس لا شكلهم متجذرين 😢

    ردحذف
    الردود
    1. اي والعباس اني نفسي لعبة من هاذ البارت 💔

      حذف
    2. الحلف بغير الله شرك قولي لا إله إلا الله

      حذف
  43. عمي اسراء رحمه الجدج مو متنه ماكافي طالبة سادس الخاطري نشري مو اريد ادرس الوزاري 6/6واني انتظرج لو ادرس

    ردحذف
  44. جاتني فوبيا من زي الصوره 😭😭

    ردحذف
  45. كل ما ادخل عالمدونة اتمنى انصدم بالبارت الجديد لكن مع الاسف ماكو شيء..لو اعرف شوكت تنزلين بارت جديد ..تعبنا وملينا

    ردحذف
  46. حالنا اشبه بحال جلنار بنهاية الفصل لما حست انها خارج نطاق اتريوس

    ردحذف
    الردود
    1. بقينا احنا و هي معلقين -_-|||

      حذف
  47. كل التوفيق لك عزيزتي الكاتبة اتمنى تخلصي اختباراتك بنجاح وترجعي لنا بدفعة فصول في اسرع وقت 🫂❤️

    ردحذف
  48. ياجماعة هانت كالت الوعد 3/6

    ردحذف
  49. اليوم عينزل فصل ؟!

    ردحذف
  50. هو البارت هينزل امته

    ردحذف
  51. انسحب علينا شكلو

    ردحذف
  52. ماادرس حتى تنزل البارت بعد معلي

    ردحذف
  53. فينيسيا من ما ظهرت اتنحسنا اسراء بس لمحت باخر بارت من ماضي اتريوس ون يومها ما شفنا خير عجزت اتكلم من قوة النحس 🤣

    ردحذف
  54. إن شاء الله اليوم إسراء تنزل البارت الجديد

    ردحذف
  55. فينيسيا التسس
    يلي بس ظهرت بطل ينزل البارت الجديد🥲💔💔💔

    ردحذف
  56. ياا هاي بعدها العيون والعباس لعبة نفسي

    ردحذف
  57. طب حد متابع اسراء انستا يا جماعه هي حدثت وقالت حاجه عن التنزيل؟

    ردحذف
  58. يمكن دي اكتر رواية بلعنا فيها غدرات في مواعيد التنزيل

    ردحذف
  59. إسراء منزلتش أى اخبار ؟

    ردحذف
  60. يعني انسحب علينا خلاص 💔 طيب والحين كيف الطريقه يتكمل الروايه او لا انا تعبتني هالروايه 😭😭

    ردحذف
  61. إسراء وينك مختفية ما عم تعطي خبر ؟

    ردحذف
  62. يارب تكوني بخير

    ردحذف
  63. ديلا باع شلون هاذ خلص شهر +الحجي يكوي العين والسكته اوله

    ردحذف
  64. انا عدت الروايه من اول حساني هقرأها تاني انا زهقت اقسم بالله يعني مفيش انهارده بارت؟

    ردحذف
  65. انا مش كل الفصول بتظهر ي ريت اللي يعرف ازاي اجيب الفصول كلها يقولي بليز

    ردحذف
    الردود
    1. باعي مااعرف اذا راح تفهمين او لا بس راح اكلج ادوسين على المزيد من المشاركات وي كل دوسه يطلعلج الفصل القبله هيج مثلاء يطلعلج الفصل القبل هاذ ♥️اتمنى فهمتي

      حذف
  66. ياجماعة خاف إسراء لاسامح لله بيها شيء احد يطمنا +احد لو ثنين هعع استغفر لله

    ردحذف
    الردود
    1. صح خفت البنت مالها خبر

      حذف
    2. ان شاء الله مابيها غير العافية سوده عليه اشو شتاقيتلها

      حذف
  67. للي خايف شوفت ف ستوري حساب توبازيوس ان اسراء سافرت لمصر لأهلها من تلت ايام تقريبا وعشان كدا مشغوله ومش عارفه تنزل حاجه.. يرب مش تطول اكتر اتمني ان الفصل الجديد ينزل ف العيد:((((((

    ردحذف
  68. بشارتي

    اسراء بتعسبنا عسب فخم

    ردحذف
    الردود
    1. إسراء ناشره ستوري تقول عيديتكم جاهزه وطويللللللللللللللل

      حذف
    2. يااااارب الفرج 🥺🥺🥺🥺

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفصل السادس والخمسون | قطعة اللغز المفقودة

الفصل السابع والخمسون | خلف أسوار قصر أورال